
نبذة عن الكتاب:
يشرح حسن السيناوني في كتاب «الأصل الجامع لإيضاح الدرر المنظومة في سلك جمع الجوامع» متن «جمع الجوامع» لتاج الدين السبكي شرحًا يقوم على جمع النظائر وتقريب العبارة وربط الأصول بعضها ببعض، ولا يقف عند شرح ألفاظ المتن وحدها؛ إذ يطبق على مسائله ما نظمه جلال الدين السيوطي في «الكوكب الساطع»، ويضم إليه ما وافقها من أصول المالكية في «مراقي السعود» ومن «مهيع الوصول» لابن عاصم، قاصدًا أن يجمع الأصول الشافعية التي يدور عليها «جمع الجوامع» مع ما يقابلها أو يزيد عليها في تقريرات المالكية. وقد وصف السيناوني عمله بأنه شرح يزاوج بين المتون والشروح ويصل الفرع بأصله، وهو ما يفسر كثرة نقوله وموازناته داخل كل مسألة.
ويتبنى الكتاب بناء «جمع الجوامع» نفسه، فينقسم إلى مقدمات وسبعة كتب؛ خمسة منها لأدلة الفقه: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والاستدلال، والسادس للتعادل والترجيح عند تعارض الأدلة، والسابع للاجتهاد وما يتبعه من التقليد وآداب الفتيا، ثم يتصل بذلك ما ضمه الأصل من مباحث أصول الدين. ويستثمر السيناوني هذا الترتيب في المقارنة المستمرة بين عبارة السبكي ونظم السيوطي وتقريرات «مراقي السعود» و«مهيع الوصول»، فيفسر المصطلح ثم يورد ما يقابله في النظم وما يتصل به من تفصيل مذهبي.
ويبدأ بالمقدمات التي تحدد حقيقة العلم وموضوعه، فيعرض تعريف أصول الفقه بأنه دلائل الفقه الإجمالية، مع القول الآخر القائم على معرفتها ومعرفة طرق الاستفادة وصفة المستفيد، ثم يعرف الفقه والأحكام الشرعية العملية. ويتوسع في حقيقة الحكم باعتباره خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف، وفي مسألة الحسن والقبح العقليين والشرعيين، وحكم الأفعال قبل ورود الشرع، وشروط التكليف وما يتعلق بالغافل والملجأ والمكره، ثم يقسم خطاب التكليف إلى الإيجاب والندب والتحريم والكراهة وخلاف الأولى والإباحة، ويقابله بخطاب الوضع من السبب والشرط والمانع والصحة والفساد. كما يستحضر الفروق المالكية في استعمال ألفاظ الفرض والواجب، والسنة والمندوب والرغيبة والنفل، ويبين ما ينبني على بعضها من أحكام.
ويخصص الكتاب الأول للقرآن ومباحث الأقوال، فيعرض تعريف القرآن وما يتعلق بإثبات قرآنية بعض الألفاظ والقراءات، ثم ينتقل إلى الجهاز الدلالي الذي يحتاج إليه المجتهد في فهم النصوص: الأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والمنطوق والمفهوم، والحقيقة والمجاز، والنسخ وطرق معرفة الناسخ. ويكثر في هذه المباحث من تحليل الألفاظ العربية وحروف المعاني وصيغ الخطاب وما تفيده بحسب الاستعمال، لأن بناء الحكم عند الأصوليين متوقف على تعيين جهة الدلالة قبل الانتقال إلى الاستنباط.
ويفرد الكتاب الثاني للسنة بعد الفراغ من الدلالات القولية المشتركة بينها وبين القرآن، فيبحث السنة من حيث أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريره، وما أضيف إلى ذلك من الهم الذي ذكره بعض الأصوليين، ثم يتناول أحكام الأفعال النبوية وما يدل منها على الوجوب أو الندب أو الإباحة والخصوصية. ويتوسع في الخبر والرواية، فيبحث المتواتر والآحاد، وشروط الرواة وما يتعلق بالعدالة والضبط والجرح والتعديل، وصيغ نقل الصحابي للخبر ودرجاتها، ثم طرق تحمل غير الصحابي للرواية من السماع والقراءة والمناولة والإجازة والإعلام والوصية والوجادة.
ويبحث في الكتاب الثالث الإجماع باعتباره دليلًا شرعيًا متميزًا عن النص من جهة وعن القياس والاستدلال من جهة أخرى، فيعرض حقيقته وحجيته ومن ينعقد بهم، وما يتعلق باتفاق أهل العصر، والإجماع الصريح والسكوتي، وحكم انقراض العصر، والإجماع بعد خلاف سابق، وإجماع الأمم السابقة، وما إذا جاز أن يكون مستند الإجماع قياسًا. ويقرر ضمن هذه المباحث أن حجية الإجماع معتبرة عند الأصوليين الذين يقولون به، ثم يفرق بين الصور القطعية وغيرها، ويبحث ما يترتب على مخالفة المجمع عليه وما يصح أن يكون مستندًا لاتفاق المجتهدين.
ويتوسع في الكتاب الرابع في القياس، فيعرفه ويبين منزلته بالنسبة إلى النص والإجماع، ثم يشرح أركانه وشروط الأصل والفرع وحكم الأصل والعلة، ومسالك إثبات العلة وما يتصل بالمناسبة والسبر والتقسيم والدوران والطرد وتنقيح المناط وإلغاء الفارق. ويعالج أنواع القياس واختلاف درجاته، وما يصح القياس فيه وما لا يصح، ثم يدخل في الاعتراضات التي توجه إلى الأقيسة، كالنقض وعدم التأثير وفساد الوضع وفساد الاعتبار والمنع والمعارضة واختلاف الضابط بين الأصل والفرع، ويبين طرق الجواب عنها. ويحضر في هذا الباب بوضوح جانب الجدل الأصولي؛ لأن المسألة لا تقتصر على إقامة القياس، بل تشمل اختبار سلامة العلة والجامع وطريقة ترتيب الحكم عليهما.
ويجعل الكتاب الخامس للاستدلال بمعناه الخاص، أي للدليل الذي ليس نصًا ولا إجماعًا ولا قياسًا، ويضم تحته طائفة من الأدلة والمسالك المختلف فيها. فيبحث الاستقراء ويفرق بين التام والناقص، ويعرض الاستصحاب وصوره، ومنها البراءة الأصلية واستصحاب العموم أو النص والحكم الثابت لوجود سببه، ويقرر أن الاحتجاج بالاستصحاب لا يكون قبل استفراغ البحث عن الناقل. ثم يناقش الاستحسان وتفسيراته المختلفة، ويميز ما يرجع منه في حقيقته إلى دليل أقوى أو عرف معتبر أو مصلحة عن الاستحسان المجرد الذي لا يقوم عليه دليل.
ويتصل بذلك بحث قول الصحابي رضي الله عنه ومدى حجيته على غيره، وشرع من قبلنا، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع؛ وهنا تتسع المقارنة المالكية في الكتاب. فينقل السيناوني ما قرره المالكية في اعتبار المصلحة المرسلة ويورد لها أمثلة من المصالح التي لم يرد نص جزئي بتعيينها مع ملاءمتها لمقاصد الشرع، كجمع المصحف وضبطه، واتخاذ بعض التنظيمات والمصالح العامة. كما يشرح سد الذرائع بمنع الفعل المباح في أصله إذا صار وسيلة معتبرة إلى مفسدة، ويقابله بفتح الذريعة إذا كانت طريقًا إلى واجب أو مندوب، مع التفريق بين الوسائل بحسب قوة إفضائها إلى مآلاتها.
ويخصص الكتاب السادس للتعادل والترجيح بعد استكمال الكلام على الأدلة؛ فيبحث إمكان تعارض القواطع والأمارات، ثم ينتقل إلى المرجحات بين الأخبار وبين الأقيسة وسائر الأدلة. ويوازن في الأخبار بين جهات تتعلق بالراوي والرواية والإسناد والمتن، كما يبحث تقديم بعض أنواع الإجماع والنصوص بعضها على بعض، وترجيح القياس بقوة دليل حكم الأصل، وقوة مسلك العلة، وظهور مناسبتها، وغير ذلك من الوجوه. ولا يحصر المرجحات في عدد مغلق، بل ينقل من «مراقي السعود» أن مدار كثير منها على قوة الظن التي تجعل أحد الدليلين أولى بالعمل عند التعارض.
ويجعل الكتاب السابع للاجتهاد بوصفه استفراغ الفقيه وسعه لتحصيل الظن بالحكم من أدلته، فيبحث شروط المجتهد وما يحتاج إليه من أدوات النظر، وإمكان تجزؤ الاجتهاد، وإصابة المجتهد وخطئه، وتغير اجتهاده، والاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، ثم ينتقل إلى التقليد وحكم من لم يبلغ رتبة الاجتهاد. ويعرف التقليد بالأخذ بمذهب الغير من غير معرفة دليله الخاص، ويقرر لزوم رجوع غير المجتهد إلى أهل الاجتهاد بحسب مرتبته وقدرته، مع بحث انتقال المقلد بين الأقوال وتتبع الرخص وآداب الفتيا وما يلزم المفتي والمستفتي.
ويمتد الشرح بعد مباحث أصول الفقه إلى ما ضمه «جمع الجوامع» من أصول الدين؛ فيبدأ بمسألة التقليد في العقائد، ثم يتناول مسائل الاعتقاد المتعلقة بما يجب وما يستحيل وما يجوز، وما يتصل بالنبوات والمبدأ والمعاد وغيرها من مباحث الكلام، محافظًا على طريقته في مقابلة عبارة الأصل بنظم السيوطي وإضافة ما يناسبها من الشروح والنقول.
ويصل السيناوني في الخاتمة إلى مسائل تتصل بتزكية النفس والتصوف، فيشرح ما أورده السبكي في معرفة العبد لنقص نفسه وكمال ربه تعالى، ويعرض الخلاف في أول الواجبات: أهو المعرفة، أم النظر المؤدي إليها، أم أول النظر، أم القصد إليه، ثم يصل ذلك بمجاهدة النفس وطلب معالي الأمور. فلا تأتي هذه المباحث منفصلة عن البناء السابق، بل تنتقل من شروط صحة النظر والاستدلال ومعرفة الأحكام إلى حال الناظر نفسه، وما ينبغي أن يقوم به من معرفة ومراقبة وإصلاح للباطن.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














