
نبذة عن الكتاب:
ينقض محمد بن إسماعيل الصنعاني في كتاب «إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد» دعوى تعذر الاجتهاد على المتأخرين، ويبدأ من سؤال محدد عن الحكم على الحديث: هل اعتماد المتأخر على تصحيح أئمة الحديث وتحسينهم وتضعيفهم يعد تقليدًا لهم، أم يكون عملًا اجتهاديًا قائمًا على الحجة؟ وينقل في أصل المسألة قولًا يجعل قبول حكم الحافظ الثقة من باب قبول خبر الثقة، وقولًا آخر يرى أن من لم يكن أهلًا للنقد إنما يقلد من سبقه، ثم يبني جوابه على تحليل حقيقة قول المحدث: «حديث صحيح»؛ فهذا الحكم يتضمن الإخبار باتصال السند وعدالة رواته وضبطهم وسلامة الحديث من الشذوذ والعلة، وقبول خبر الثقة بهذه الأمور ثابت بالدليل، فلا يتحول إلى تقليد لمجرد أن الناقد المتأخر اعتمد على ما نقله أئمة الجرح والتعديل عن أحوال الرجال. ويقارن بين صنيع المتقدم والمتأخر ليقرر أن البخاري ومسلم وغيرهما لم يشاهدوا جميع رجال أسانيدهم، بل عرفوا أحوال كثير منهم بواسطة أخبار النقاد السابقين، ثم بنوا عليها أحكامهم؛ فإذا عُدَّ ذلك اجتهادًا عند المتقدم، فلا وجه لجعله تقليدًا عند المتأخر متى قام بالعمل نفسه. ومن هنا يجيز لمن تأهل أن ينظر في حديث لم يسبق فيه حكم، فيجمع كلام أئمة الرجال في رواته ويتتبع طرقه ثم يحكم بصحته أو ضعفه أو حسنه، ويرفض القول بأن تأخر العصر يمنع ذلك؛ فالفرق في بعض الصور لا يتجاوز كثرة الوسائط، وقد تزول هذه الكثرة مع الوجادة والكتب المحفوظة. ثم يواجه القول باستحالة الاجتهاد نفسه، فيفرق بين التعسر والاستحالة، ويعد تحويل صعوبة التحصيل إلى حكم بانقطاع الاجتهاد تهويلًا لا ينهض عليه دليل. ويقلب حجة التأخر إلى دليل على التيسير؛ لأن جهود اللغويين والمحدثين ونقاد الرجال جمعت للمتأخر ما كان المتقدم يطلبه بالسفر الطويل والسماع المباشر، فدونت اللغة، وجمعت دواوين السنة، وصنفت تراجم الرواة وعبارات الجرح والتعديل، وأصبحت أحوال رجال مضوا قبل قرون مجموعة بين يدي الباحث بصورة قد يتاح له معها من مجموع أخبارهم ما لم يكن متاحًا لبعض معاصريهم. ويقرب الفكرة بالمثال: فالباحث الذي يجد في إسناد حديث الحجاج بن أرطأة يستطيع أن يرجع إلى أحكام أئمة النقد فيه ثم يبني حكمه على الحديث، كما فعل نقاد متقدمون لم يلقوا الراوي بأنفسهم، وإنما تلقوا أخباره ممن سبقهم.
ويتسع كتاب «إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد» من نقد الحديث إلى شروط الاجتهاد ومنهج التعامل مع النصوص، فيورد عن محمد بن إبراهيم الوزير أن الاجتهاد ليس هينًا لكنه قريب ممن صح ذوقه وسلم من البلادة وبذل جهده، ثم يعرض شروطًا عملية لتحصيله: القدر المحتاج إليه من العربية، وأصول الفقه، وما تدعو إليه الحاجة من المعاني والبيان، ومعرفة آيات الأحكام من غير اشتراط حفظ عدد ضخم منها عن ظهر قلب، ومعرفة جملة كافية من السنة، ولا سيما كتب أحاديث الأحكام؛ ويستدل بحال الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم على أن الاجتهاد لا يتوقف على الإحاطة بكل اللغة وكل الحديث. ويواصل الدفاع عن إمكان النظر المستقل بتمييز أسباب اختلاف النقاد في الجرح والتعديل، والتنبيه إلى تفاوت ما يبلغ كل إمام عن الراوي، وإلى أثر الخبرة وشدة التحري، كما يحذر من جعل الخلافات المذهبية والعقدية وحدها قوادح آلية في الرواة، مستشهدًا برواية أئمة الحديث عن رجال نسبوا إلى بعض البدع مع ثبوت صدقهم وضبطهم. وبعد تقرير أدوات الاجتهاد ينتقل إلى أصل أوسع هو أن الحجة مقدمة على الرجال؛ فيعظم السنة والانقياد لها، ويحذر من حمل النصوص على المذاهب السابقة بطريقة تصرفها عن معانيها، ويذكر أمثلة لتأويل الأحاديث تأويلًا بعيدًا حماية لقول مذهبي، ويرى أن هذا المسلك يجني على السنة وعلى الأئمة أنفسهم الذين لم يجعلوا أقوالهم مقدمة على النص النبوي. ثم يحرر الفرق بين التقليد والاتباع: فالتقليد قبول قول الغير بلا حجة، أما اتباع العالم والاستفادة من فهمه وسؤاله عن الآية والحديث فليس تقليدًا؛ لأن العالم هنا دليل إلى الدليل، فإذا ظهرت الحجة كان المرجع إليها لا إلى شخصه. ولهذا يفسر الأمر بسؤال أهل الذكر بأنه سؤال أهل العلم عما في الكتاب والسنة، ويستحضر طريقة الصحابة رضي الله عنهم والتابعين الذين كان بعضهم يسأل بعضًا عما قاله النبي صلى الله عليه وسلم أو فعله من غير التزام أقوال شخص معين. وفي القسم الأخير يجمع أشهر ما استدل به مجوزو التقليد، من آية سؤال أهل الذكر، وحديث صاحب الشجة، والأمر باتباع السابقين والاقتداء بالصحابة رضي الله عنهم، وسنة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وكتاب عمر رضي الله عنه إلى شريح، وإنذار المتفقهين لقومهم، وقبول الشهادة، ثم يرد هذه الأدلة واحدًا واحدًا بإرجاعها إلى معنى التلقي عن أهل العلم مع قيام الحجة، لا إلى إلزام المسلم بقول إمام لا يخرج عنه. وتستقر خاتمة الرسالة عند التفريق الذي سار معه البحث كله: الانتفاع بالعلماء والاستعانة بفهمهم ضرورة، أما جعل أقوالهم نهاية للنظر فشيء آخر؛ والمكلف يحتاج من أحكام الكتاب والسنة إلى ما يتصل بحاله، وقد يسره الله تعالى، فلا معنى لأن يبذل جهده في فهم عبارات المذاهب ثم يُحجب عن توجيه ذلك الفهم إلى كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














