
نبذة عن الكتاب:
ينقح الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني في كتاب «إجابة السائل شرح بغية الآمل» مسائل أصول الفقه التي نظمها في «بغية الآمل» اعتمادًا على كتاب «الكافل» لمحمد بن يحيى بهران، ويصوغ شرحه على مقصد محدد صرح به في مقدمته؛ فقد كان تلميذه إسماعيل بن محمد بن إسحاق قد شرح المنظومة شرحًا مطولًا سماه «الفواصل شرح بغية الآمل»، وكان يعرض ما يكتبه على الصنعاني ليقر منه ما يحتاج إليه ويحذف ما يستغنى عنه، ثم طلب بعض طلبة العلم من الصنعاني بعد وفاة تلميذه أن يختصر ذلك الشرح، ويأتي بأقوى أدلة المسائل، ويوضح العبارة، ويقتصر على الأدلة المختارة والأقوال المرتضاة، فكان هذا الكتاب. ومن هنا لا يجري الشرح على مجرد حل ألفاظ المنظومة، بل يعرض الأقوال ويفحص أدلتها، ويعترض على الحدود والتعريفات والحجج التي لا تستقيم، ويصرح في مواضع كثيرة بالترجيح والتصحيح، ويعيد تحرير محل النزاع إذا رأى أن الخلاف اضطرب بسبب عدم ضبطه. ويجعل موضوع أصول الفقه الأدلة السمعية الكلية: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، من جهة دلالتها على الأحكام وتعارضها وطرق استنباط الأحكام منها، ويجعل غايته العلم بأحكام الله تعالى، ثم يرتب مادة الكتاب في عشرة أبواب.
ويبدأ بحد أصول الفقه ومناقشة ما يدخل في مفهومه، وهل هو نفس القواعد التي يتوصل بها إلى استخراج الأحكام أو العلم بتلك القواعد، وينبه إلى أن من قواعد هذا الفن ما هو ظني، فلا يصح إطلاق القول بأن جميع مسائله قطعية. ثم يفتتح الباب الأول بالأحكام الشرعية، فيشرح الوجوب والتحريم والندب والكراهة والإباحة، ويتتبع ما تعرف به هذه الأحكام من خطاب الشرع، ولا يحصر دلالة التحريم والندب في صيغتي الأمر والنهي؛ بل يجمع وجوهًا أخرى تدل على المنع أو المشروعية، كالذم واللعن ونفي المحبة والرضا والوعيد في جانب التحريم، والمدح والمحبة والرضا والوعد بالثواب في جانب الطلب والمشروعية. ويبحث ترادف الفرض والواجب والخلاف فيه، ثم يقسم الواجب بالنظر إلى المكلف إلى فرض عين وفرض كفاية، وبالنظر إلى الفعل إلى معين ومخير، وبالنظر إلى الوقت إلى مطلق ومؤقت، والمؤقت إلى مضيق وموسع، ويمد بعض هذه التقسيمات إلى المندوب. ويتناول بعد ذلك الصحة والبطلان والفساد، ويخلص إلى أن الفاسد هو الباطل وليس قسمًا مستقلًا، ثم يبحث الأداء والإعادة والقضاء والرخصة والعزيمة، ويضم إلى الأحكام التكليفية الخمسة الأحكام الوضعية الثلاثة: الشرط والمانع والسبب، حتى يلخص ما تقدم في ثمانية أحكام، خمسة تكليفية وثلاثة وضعية، وما يتبعها من أوصاف وتقسيمات.
وينتقل في الباب الثاني إلى الأدلة، فيبدأ بحقيقة الدليل والنظر والعلم والظن والأمارة، ويفرق بين ما يوصل إلى العلم وما يفيد الظن، ولا يكتفي بنقل اصطلاحات الأصوليين، بل يناقشها ويصحح ما يستقيم منها. ثم يبحث الكتاب العزيز من جهة ثبوته ودلالته، وما يتعلق بالقراءات، والمحكم والمتشابه، ويتبع ذلك بالسنة وما يدخل فيها من قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفعله وتقريره، وأقسام الأخبار ومراتبها وشروط قبول الرواة وما يفيده المتواتر وخبر الآحاد، ومسائل الرواية بالمعنى والتعارض بين الخبر وغيره. ثم يعرض الإجماع عرضًا نقديًا واسعًا؛ فيذكر تعريفه ومذاهب القائلين بإمكانه وحجيته، ثم يفحص أدلة الاحتجاج به من الكتاب والسنة، وينتهي إلى أن تلك الأدلة لا تنهض لإثبات قطعية حجيته بالصورة التي يقررها كثير من الأصوليين، وأن تحقق إجماع محيط بأقوال المجتهدين بعد اتساع بلاد الإسلام وكثرة علمائه متعذر، ولذلك يقصر الإجماع المتيقن على الضروريات الظاهرة من الدين، ويفرق في أثناء ذلك بين الإجماع الإحاطي والاستقرائي والإقراري أو السكوتي. كما يناقش ما قيل في إجماع الخلفاء، وأهل المدينة، وأهل البيت، ولا يسوي بين الاقتداء والتقليد، ويناقش حجية قول الصحابي المنفرد، ويقرر أن الأدلة التي سيقت لإثباته حجة مستقلة لا تنهض بذلك.
ويفرد للقياس القسم الأخير من بحث الأدلة، فيعرفه بحمل معلوم على معلوم في حكم بجامع بينهما، ويبين أركانه الأربعة: الأصل والفرع والحكم والعلة، ويميز القياس التمثيلي الأصولي من القياس الاقتراني والاستثنائي المنطقي. ثم يقسمه إلى الجلي والخفي، والطرد والعكس، وقياس العلة وقياس الدلالة، ويفرق بينها بالأمثلة ودرجة ظهور الجامع أو خفائه. وبعد ذلك يتوسع في شروط الأصل والفرع والحكم والعلة، ثم طرق إثبات العلة ومسالك معرفتها، ومنها الإجماع والنص وما يتصل به من التنبيه والإيماء، ثم الاستنباط ووجوهه، ويبحث المناسبة والسبر والتقسيم وما يعترض على العلة من أسئلة وقوادح. ولا يعامل القياس بوصفه قالبًا شكليًا يكفي فيه مجرد وجود شبه بين أصل وفرع، بل يرد البحث إلى ثبوت الجامع وصلاحيته لنقل الحكم، ويفرق بين العلة نفسها وما يدل عليها من لازم أو أثر. ويلحق بالأدلة مباحث الاستدلال والاستصحاب وشرع من قبلنا والاستحسان وما قيل في جعل بعضها أدلة مستقلة، ويرد كثيرًا من صورها بعد التحقيق إلى أصول سبق بيانها، فلا يكثر عدد الحجج لمجرد اختلاف الأسماء الاصطلاحية.
ثم يحول مسار الكتاب من إثبات الأدلة إلى كيفية دلالتها، فيجعل الباب الثالث للمنطوق والمفهوم؛ فيعرف المنطوق ويقسم دلالته إلى النص والظاهر، ثم يفرق بين الصريح وغير الصريح، ويبحث دلالة الاقتضاء والتنبيه والإيماء والإشارة، وما يكون مقصودًا للمتكلم وما يفهم بطريق اللزوم، ثم ينتقل إلى مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة وشروط الاحتجاج بكل منهما. ويظهر في هذا الموضع ميله إلى تحرير منشأ الدلالة نفسها؛ ففي دلالة النهي عن التأفيف للوالدين على تحريم ضربهما ونحوه لا يجعل لفظ التأفيف موضوعًا في اللغة لكل أنواع الأذى، بل يبين أن فهم تحريم الأعلى يأتي من مقام الخطاب وحكمة المتكلم؛ إذ لا يستقيم النهي عن أدنى الأذى مع إباحة أعلاه. ويعقب ذلك بالباب الرابع في الحقيقة والمجاز، فيقسم الحقيقة إلى لغوية وعرفية عامة وخاصة وشرعية، ويدخل الحقيقة الدينية في الشرعية، ثم يبحث الترادف والاشتراك والتواطؤ والتشكيك وتعدد اللفظ والمعنى، وينتقل إلى المجاز وعلاقاته وقرائنه وما يتصل باستعمال الألفاظ في معانيها الأصلية والمنقولة؛ لتكون هذه المباحث اللغوية أساسًا لما يأتي بعدها من دلالات الخطاب.
ويخصص الباب الخامس للأمر والنهي، فيبدأ بحقيقة الأمر وصيغته وما يشترط في تحققه من علو أو استعلاء، ويناقش الأقوال في ذلك حتى يقوي اعتبار الأمرين معًا: أن تكون للآمر رتبة علو في نظر المأمور، وأن يصدر الطلب على جهة الاستعلاء، ثم يبحث ما تقتضيه صيغة الأمر من وجوب أو غيره، وما يعرض لها من قرائن، والأمر بعد الحظر، والمرة والتكرار، والفور والتراخي، وما لا يتم المأمور به إلا به، وتعلق الأمر بأضداد المأمور به، وما يتصل بذلك من الفروع. ويقابل هذه المسائل بمباحث النهي ودلالته وما يترتب عليه من تحريم أو فساد. ثم يجعل الباب السادس للعام والخاص والمطلق والمقيد، فيعرف العام بصيغته المستغرقة لما يصلح له، ويحصي صيغ العموم، ويفصل في التخصيص وأدلته، ثم يبحث حمل المطلق على المقيد. ولا يمر على المشكلات المشهورة في هذا الباب مرور الناقل؛ بل يناقش مثل إشكال دلالة اللفظ العام على أفراده، ويحلل منشأ الإشكال ويبين أن الحكم إنما تعلق بالفرد من جهة الوصف الذي أدخله تحت العام، لا من جهة اسمه أو مشخصاته الخارجة عن مدلول الخطاب.
ويبحث في الباب السابع المجمل والمبين، فيجعل المجمل ما لا يفهم منه مراد المتكلم على جهة التفصيل، وينبه إلى أن الإجمال قد يقع في الأقوال كما يقع في الأفعال، ثم يعرف المبين والبيان، ويبحث طرق بيان المجمل بالكتاب والسنة، قولًا وفعلًا، وما قيل في البيان بالإجماع والقياس، وما يقع إذا اجتمع في بيان المجمل قول وفعل واتفقا أو اختلفا، وهل يلزم أن يكون البيان في قوة المبين. كما يربط بذلك دلالة المدح والذم؛ فالمدح حث على الفعل ودليل على حسنه، والذم تنفير منه ودلالة على قبحه. ثم ينتقل إلى الباب الثامن في النسخ، فيعرفه بإزالة مثل حكم شرعي بدليل سمعي متراخ، ويعرض القول بأنه في حقيقته بيان لانتهاء مدة الحكم، ويفرق بينه وبين انتهاء الحكم بغاية متصلة أو زوال التكليف بالموت والجنون. ويناقش جواز النسخ ووقوعه، والنسخ من غير إشعار سابق، ونسخ الحكم المؤبد في ظاهر الخطاب، والنسخ إلى غير بدل، ونسخ التلاوة دون الحكم أو الحكم دون التلاوة، وعلاقات الكتاب والسنة في النسخ، ثم يبين طرق معرفة الناسخ من المنسوخ: بالنص الصريح، أو بما يدل على المتقدم والمتأخر، أو بإخبار الراوي عن آخر الأمرين، أو بالقرائن الزمنية القوية كمعرفة الغزوة أو الواقعة التي ورد فيها كل حكم.
ويعقد بعد ذلك مباحث الاجتهاد والتقليد والفتوى، فيجعل المجتهد من تكون لديه ملكة استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، فلا يشترط أن تكون جميع الأحكام حاضرة عنده بالفعل، ولهذا لا ينافي الاجتهاد أن يقول العالم في بعض المسائل: لا أدري. ويذكر من أدوات المجتهد معرفة العربية وأصول الفقه والكتاب والسنة وما يحتاج إليه لفهم الأدلة، ثم يبحث اجتهاد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، واجتهاد الصحابة رضي الله تعالى عنهم في عصره، وتصويب المجتهدين وتخطئتهم، وما يلزم المجتهد إذا تغير اجتهاده. ويقرر تجزؤ الاجتهاد، فيجوز أن يبلغ الإنسان مرتبته في باب أو مسألة إذا أحاط بما يتعلق بها إحاطة تمكنه من الاستنباط، وإن لم يكن مجتهدًا مطلقًا في سائر المسائل. ثم ينتقل إلى التقليد ويعرض تعريفاته ويناقش ما يرد عليها، ويميزه من اتباع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والعمل بالإجماع وقبول الرواية والشهادة، لأن هذه كلها قائمة على حجة. ولا ينتهي بحثه إلى مجرد ضبط شروط التقليد، بل يصرح بأن الحق أحق بالاتباع، وأن الواجب على العامي أن يسأل عن المسألة التي يحتاج إليها وعن دليلها، ولا يجوز له التقليد المجرد، بعد أن يعرض أدلة الجمهور على وجوبه أو جوازه ويناقش الاستدلال بها.
ويختم بالباب العاشر في الترجيح والتصحيح، فيعرف الترجيح باقتران إحدى الأمارات بما يقويها على معارضها، ويقرر أن مجاله الأدلة الظنية؛ لأن القطعيين لا يتعارضان في الحقيقة، والقطعي لا يحتاج إلى ترجيح على الظني. ثم يرتب وجوه الترجيح في المنقولات بحسب السند والمتن والحكم وأمر خارج عنها، فيرجح الخبر بكثرة رواته، أو زيادة ضبط راويه وعلمه بما يرويه، أو قوة توثيقه، أو مباشرته للواقعة وكونه صاحب القصة، أو قربه من مصدر الرواية، ثم ينتقل إلى ما يرجح به المتن والحكم وما يؤيد الدليل من خارج. وبهذا ينتهي الكتاب على النهج الذي افتتحه به: لا بمجرد جمع مسائل أصول الفقه، بل بوزن الأدلة، وكشف مواضع القوة والضعف فيها، وتقليل ما لا ثمرة له من التطويل والجدل، ورد المسائل إلى الدليل الذي يثبت به الحكم، مع حضور واضح للنقد والمناقشة والاستقلال في الترجيح في جميع أبواب الشرح.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














