يَبني أبو بكر الباقلاني في كتابه «تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل» عرضًا واسعًا لمسائل أصول الدين، يبدأ بتأسيس طرائق المعرفة والاستدلال، ثم ينتقل منها إلى إثبات العقائد ومناقشة المخالفين فيها. وقد أراد أن يكون الكتاب جامعًا مختصرًا يحرر المعاني والأدلة ويزيل ما يعرض فيها من شك وارتياب؛ فاستهلّه بالكلام على حقيقة العلم وأقسامه وطرقه، ففرّق بين العلم الضروري والعلم النظري، وبحث الحواس والخبر المتواتر ووجوه الاستدلال ومعنى الدليل، ثم تناول أقسام المعلومات والموجودات، والقديم والمُحدَث، والجواهر والأجسام والأعراض، ليقيم على هذه المقدمات بناءه الكلامي في سائر أبواب الكتاب.
ومن هذه الأصول ينتقل الباقلاني إلى الاستدلال على حُدوث العالم وإثبات مُحدِثه، فيحتج بتغير الأجسام وحلول الأعراض بها، وبافتقار النظام والتخصيص إلى فاعل وقاصد. ثم يقرر أن صانع العالم قديم، واحد، مخالف للمحدَثات، ويبحث صفاته من الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام وغيرها، مستعملًا القياس العقلي وتقسيم الاحتمالات وإبطال ما عداه من الأقوال. وفي هذا السياق يناقش أصحاب الطبائع والثنوية ومن يجعلون الحوادث ناشئةً عن طبائع أزلية، كما يعالج مسائل القَدَر وأفعال العباد، ويقرر أن الله تعالى خالق أفعالهم، مع بحث ما يتصل بالكسب والاستطاعة والتكليف وما دار حول ذلك من خلاف مع المعتزلة وأهل القَدَر.
ويخصّص جانبًا مهمًّا للنُّبوات، فيبحث إمكان إرسال الرسل وحاجة الخلق إليهم، ومعنى المعجزة ودلالتها على صدق النبي، وطرق ثبوت الأخبار والتواتر. ثم يحتج لنبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويناقش مواقف المخالفين من النبوات والشرائع، ويرد على اليهود والنصارى والمجوس والبراهمة وأهل التثنية وأصحاب الطبائع والمنجّمين. ويتناول مسألة النَّسخ في الشرائع، فيقرر جواز أن يكون الفعل مصلحةً وطاعةً في وقت ثم يتغير حكمه في وقت آخر، ويرد بذلك على من منع نسخ الشرائع السابقة. ويستعمل في هذه المواضع الإلزام بأصول الخصم، وتقسيم الاحتمالات، ومقابلة الدعوى بما يلزم عنها من نتائج.
ويعقب ذلك بمناقشة الخلافات داخل الأمة، فيرد على أهل التجسيم والتشبيه والمعتزلة والرافضة والخوارج وغيرهم، ثم يختم بمباحث الإمامة والصحابة رضي الله عنهم، وإثبات إمامة الخلفاء الأربعة وفضائلهم، ومناقشة ما أُثير حول ترتيب خلافتهم وما وقع بينهم من أحداث. وتقوم طريقة الباقلاني في أنحاء الكتاب على الحوار الجدلي المتتابع بصيغ من نحو «فإن قال قائل» و«قيل له»، فيورد الاعتراض بأقوى صورة يستطيعها ثم يفككه بالمناقشة العقلية والنقلية. ومن ثَمَّ يجمع «التمهيد» بين تأسيس نظرية المعرفة والدليل، وبراهين التوحيد والصِّفات والنُّبوة، والرد على الأديان والمذاهب والفرق، ومباحث الإمامة؛ في نسق واحد يجعل الدليل العقلي والحجاج المنظم أداةً مركزية في تقرير أصول الاعتقاد والدفاع عنها.