يسجّل عبد العزيز بن يحيى الكناني في كتابه «الحيدة والاعتذار في الرد على من قال بخلق القرآن» مناظرته لبشر المريسي في مجلس الخليفة المأمون حول القول بخلق القرآن. ويبدأ بذكر ما بلغه في مكة من ظهور مقالة بشر ببغداد ودعوته الناس إليها، وما أحدثته من خوف واضطراب، ثم يروي خروجه إلى بغداد وإعلانه أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، وما أعقب ذلك من إحضاره إلى مجلس المأمون ليواجه بشرًا وغيره من المتكلمين في مناظرة علنية.
ويجعل الكناني أصل المناظرة الاحتكام إلى نص التنزيل والسنة، فيطالب خصمه بالدليل الصريح على خلق القرآن، ويستخرج من الآيات ما يقرر به أن القرآن كلام الله تعالى، وأن الكلام غير الخلق، مستدلًا بالتفريق القرآني بين ما خلقه الله تعالى وبين قوله وأمره، وبإطلاق «كلام الله» على القرآن الذي يسمعه المستجير. كما يناقش دلالات الألفاظ القرآنية، ولا سيما «خلق» و«جعل»، مفرقًا بين الجعل الذي يراد به الخلق والجعل الذي يراد به التصيير والحكم والإعلام، ومحتجًا باستعمال القرآن ولغة العرب في ذلك.
وحين يطلب بشر ترك الاحتجاج بنص التنزيل والانتقال إلى النظر والقياس، يقبل الكناني ذلك ويُلزمه بتحديد معنى قوله إن القرآن مخلوق: أخلقه الله تعالى في نفسه، أم في غيره، أم خلقه قائمًا بذاته؟ ثم يفصل ما يراه لازمًا لكل احتمال، فيبطل الأول بما يترتب عليه من جعل الله تعالى محلًا للمخلوقات، والثاني بما يؤدي إليه من نسبة كل كلام يخلقه الله تعالى في غيره إليه، ويستمر في محاصرة القول بلوازمه العقلية. ويستعين كذلك بالأمثلة المحسوسة، كتمثيله بالحصير المؤلف من السعف والجلود وصنعة الإنسان، مطالبًا بدليل على خلق القرآن مماثل للنصوص الصريحة التي دلّت على خلق مكونات الحصير وصانعه.
ويتخذ الكتاب صورة مناظرة متتابعة، تمتزج فيها الرواية التاريخية بالمحاجّة العقدية واللغوية، وتقوم على السؤال والإلزام وتقسيم الاحتمالات وتتبع لوازمها، مع حضور المأمون حكمًا بين المتناظرين. وتنتهي مواضع متعددة من المناظرة بإقرار المأمون بانقطاع بشر أو ثبوت حجة الكناني في المسألة التي جرى الكلام فيها، قبل الانتقال إلى مسألة أخرى وشرح وجوهها. وقد وقع خلاف في ثبوت نسبة نص «الحيدة» إلى الكناني؛ فنُقل تشكك الذهبي والسبكي في إسناده، في حين أثبتت المناظرة ونسبة الكتاب إليه مصادر أخرى، وساق محقق هذه الطبعة إسنادًا آخر من «الإبانة» لابن بطة وأقوال عدد من العلماء تأييدًا للنسبة.