يرصد أبو المظفر الإسفراييني في «التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين» نشأة الاختلاف العقدي بين المسلمين، ثم يصنف الفِرَق ويعرض مقالاتها ويرد عليها، قبل أن يفرد خاتمة الكتاب لبيان الاعتقاد الذي ينسبه إلى أهل السنة والجماعة. وينطلق من أن معرفة الحق لا تتم عنده إلا بمعرفة ما يقابله من الباطل ليُجتنب، ولذلك صرّح بأنه أراد كتابًا يفرق بين الفريقين، يجمع وصف الحق والإشارة إلى حججه ووصف الباطل وشبهه، وقسمه إلى 15 بابًا. يبدأ بأول ما وقع من الخلاف بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في موته وموضع دفنه والإمامة، ثم ينتقل إلى ما ظهر في زمن عثمان وعلي رضي الله عنهما من الفتن، وظهور الخوارج والسبئية، ثم القدرية والمعتزلة والنجارية والباطنية والكرامية. وبعد ذلك يحصر الفرق التي يدخلها في حديث الافتراق وفق طريقته في العد، فيجعل منها الروافض والخوارج والمعتزلة والمرجئة والبكرية والنجارية والضرارية والجهمية والكرامية، ويجعل الفرقة 73 أهل السنة والجماعة من أصحاب الحديث والرأي والفقهاء الذين يقع اختلافهم في فروع الشريعة من غير أن يوجب ذلك عنده تبريًا أو تكفيرًا. ثم يخصص أبوابًا متتابعة لتفصيل فرق الروافض والخوارج والمعتزلة والمرجئة والنجارية والضرارية والبكرية والجهمية والكرامية والمشبهة، فيذكر أسماء فروعها وأصحاب المقالات، وما ينسبه إلى كل فرقة في الإمامة والصفات والقدر والإيمان والوعيد وغيرها، ويرد على كثير من تلك الأقوال بحجج عقلية ونقلية وبمناقشة ما يراه تناقضًا بين أصحاب المذهب الواحد. ثم يفرد بابًا لفرق تنتسب إلى الإسلام لكنه لا يعدها في جملة المسلمين ولا في الفرق 72، وبابًا آخر لأديان ومقالات سبقت ظهور الإسلام؛ فيذكر أصنافًا من عبدة الأشخاص والأصنام والكواكب والملائكة وغيرهم، ويتعامل مع هذه الأقسام كلها وفق تصنيفه العقدي الخاص.
ويجعل الإسفراييني الباب 15 مقابِلًا لما سبقه من عرض الفرق، فيقسمه إلى ثلاثة فصول: اعتقاد أهل السنة والجماعة، والأدلة التي يراها محققة لنجاتهم، ثم ما يعده من فضائلهم وآثارهم. وفي الفصل الأول يسرد مسائل الاعتقاد في نحو متتابع؛ فيبدأ بحدوث العالم وافتقاره إلى خالق قديم واحد، وينفي عن الله تعالى الحاجة والمكان والحد والجهة والجسمية والجوهرية والحركة والسكون وسائر صفات الحوادث، ويثبت له الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر والبقاء، ويرى جواز رؤيته بالأبصار في الآخرة. ويقرر قدم صفاته وعموم علمه وقدرته وإرادته، وأن كلام الله تعالى قديم ليس بحرف ولا صوت، وأن الألفاظ الواردة في الكتب المنزلة عبارات دالة على كلامه عنده. ثم ينتقل إلى النبوة، فيجعل المعجزة دليل صدق الرسول، ويخص القرآن بكونه معجزة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويقرر ختم النبوة به، ودوام شرائع الإسلام وفرائضه. ويتناول بعد ذلك سؤال القبر وعذابه ونعيمه، والحشر والحساب والميزان والحوض والصراط والجنة والنار ورؤية الله تعالى والشفاعة، ويرى أن صاحب الكبيرة لا يخرج بمجرد معصيته من الإيمان ولا يخلد في النار إذا مات على الإيمان. كما يثبت حجية الإجماع، ويقرر خلافة الخلفاء الأربعة وفضل الصحابة رضي الله عنهم، ويفرق بين أصول الاعتقاد التي يمنع فيها التقليد وبين فروع الشريعة التي يجيز للعامي فيها تقليد المجتهد وسؤاله. ويصرح بأنه أقام مسائل هذا الفصل على أدلة عقلية وشرعية ليخاطب بالشرع من يقر به وبالعقل من لا يقر به. أما الفصلان الأخيران فيسوق فيهما الأسباب التي تجعله يخص أهل السنة باسم «الفرقة الناجية»، وفي مقدمتها عنده اتباع السنة، والأخذ بالكتاب والسنة والإجماع والقياس، واجتماعهم في أصول الاعتقاد؛ ثم يستعرض ما ينسب إليهم من الإسهام في اللغة والتفسير والحديث والفقه والسير والتاريخ والتصوف والتصنيف في أصول الدين، ليختم الكتاب بجعل اجتماع الاعتقاد والنقل والعلم والعمل والدفاع عن الدين علامات فارقة بين أهل السنة وسائر الفرق التي عرضها في الأبواب السابقة.