يربط محمد بن إبراهيم الحمد في كتابه «أدب الموعظة» نجاح الوعظ بصلاح الواعظ وحسن طريقته في آنٍ واحد؛ فصحة المعنى وحدها لا تكفي إذا أُلقيت في أسلوب ينفر السامع، كما أن براعة البيان لا تغني إذا افتقر صاحبها إلى العلم والإخلاص وحسن السيرة. ومن هذا الأصل يتتبع الكتاب ما يحتاج إليه الواعظ في نفسه، وما ينبغي أن يراعيه في مضمون موعظته، ثم ما يحسن به في طريقة عرضها؛ ليجتمع صدق المقصد مع صحة العلم وحكمة الخطاب.
ويمهد بتحديد معنى الموعظة وما ورد من ألفاظها في القرآن، فيدور معناها حول النصح والتذكير بالعواقب وما يلين القلب من ترغيب وترهيب. ثم يبين أن الموعظة باب من أبواب الدعوة إلى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تُقاس ثمرتها بتحول المخاطَب فورًا؛ إذ لها مقاصد أوسع، منها إقامة الحجة، وأداء واجب البلاغ، ورجاء انتفاع الموعوظ، وابتغاء الثواب، والنصيحة للمؤمنين، وتعظيم حرمات الله تعالى. وبذلك يهيئ القارئ لفهم الوعظ على أنه مسؤولية لا مجرد خطاب ينتظر صاحبه أثرًا عاجلًا.
ويبدأ آدابه بإصلاح الواعظ لنفسه، فيقدم التقوى وإخلاص النية وصدق العمل بما يدعو إليه؛ لأن مخالفة السيرة للقول تضعف نفاذ الموعظة إلى القلوب. لكنه ينبه في الوقت نفسه إلى أن تقصير الواعظ في بعض الطاعات أو وقوعه في بعض المخالفات لا يسقط عنه واجب النصح؛ فعليه أن يصلح نفسه وأن يعظ غيره، ولا يكون إخلاله بأحد الواجبين مسوغًا لإهمال الآخر.
ثم يجعل العلم أساسًا لا يستغني عنه الواعظ؛ حتى لا يورد حديثًا موضوعًا، أو قصة غير ثابتة، أو يحسن بدعةً، أو يتكلم فيما يجهله. ويضم إلى معرفة الحكم معرفةَ حال المدعو وكيفية مخاطبته، فلا يشترط في كل واعظ أن يكون متبحرًا في جميع العلوم، وإنما أن يقف عند ما يعلم، وأن يتكلم على بصيرة، وأن يدرك ما يتصل بدعوته من مصالح ومفاسد.
ويتبع ذلك بصفات تجعل الواعظ قريبًا من النفوس: لين الجانب، وبسط الوجه، والإحسان إلى الناس، والتواضع، وترك العبارات التي تشعر بتعظيم النفس، ثم الصبر والحلم وسعة الصدر؛ لأنه لا يقف أمام الناس ليغلبهم في خصومة، بل ليعالج خللًا ويرد غافلًا ويؤلف قلبًا. ولهذا يعالج الأذى بالهدوء والرفق ما استطاع، ولا يجعل الإساءة الشخصية سببًا للانتصار للنفس أو الغلظة على المخاطبين.
ويضيف العناية بالمظهر من غير إسراف ولا تكلف، لأن الهيئة مما تقع عليه الأنظار وتؤثر في قبول الناس، فيطلب الاعتدال بين إهمال يورث الازدراء وتأنق يستغرق الهمة. ثم يفصل تفصيلًا واسعًا بين المداراة والمداهنة: فالمداراة لين في اللقاء والكلام، ومراعاة لأعراف الناس وطبائعهم، واتقاء لبعض الشرور من غير تنازل عن الدين؛ أما المداهنة فإظهار الرضا بالباطل، ومسايرة أصحاب النفوذ أو الجمهور في أهوائهم، والثناء بما لا يعتقده المرء طلبًا للسلامة أو المنفعة.
ويستكمل إعداد شخصية الواعظ بأخذ الأهبة للكلمة، والتدرب على الإلقاء، ورباطة الجأش أمام الجمهور، وقوة الملاحظة، وحضور البديهة. فالواعظ قد يدخل المجلس وقد أعد موضوعًا ثم يكتشف أن حال السامعين لا يناسبه، أو يلحظ فتورهم أو سوء فهمهم لعبارة قالها؛ وهنا تظهر قيمة القدرة على تعديل المسار، وتدارك الخطأ، وقراءة الوجوه والاهتمامات بدل الاسترسال في مادة محفوظة لا صلة لها بما يجري أمامه.
ويعطي زمن الموعظة ومقدار تكرارها عناية دقيقة؛ فلا يضع مدة واحدة لجميع الأحوال، بل يفرق بين كلمة مفاجئة ومحاضرة معلنة، وبين واعظ يرغب الناس في الاستزادة منه وآخر لا يعرفونه، وبين سامعين مقبلين وآخرين أصابهم التعب. والأصل عنده الميل إلى الإيجاز والتوسط والكلمات الجامعة، ولا سيما بعد الصلوات وفي المواضع التي يكون الناس فيها راغبين في الانصراف. كما يحث على التخول بالموعظة وعدم تتابعها على الأشخاص أنفسهم حتى لا تفقد جدتها ويتحول النصح إلى ملالة.
ويبلغ مراعاته لأحوال الناس حد التنبيه على ترك الوعظ لمن لا يرغب فيه، وقطع الموعظة أو اختصارها عند ظهور الملل، والنظر في شدة الحر أو البرد، ومعرفة النفوس والعقول والبيئات. ثم يطالب الواعظ بتحسس أدواء المجتمع والبداءة بالأهم فالمهم؛ فلا ينشغل بفرع يسير أمام خلل أعظم يحتاج إلى العلاج، مع مراعاة المواسم والأوقات التي تكون فيها النفوس أهيأ لسماع موضوع بعينه.
ويجعل الرفق أصل الخطاب، مستشهدًا بهدي الأنبياء عليهم السلام في مخاطبة أقوامهم، لكنه لا يحوله إلى قاعدة تمنع الشدة مطلقًا؛ فالشدة قد يحتاج إليها مقام مخصوص ومع شخص مخصوص إذا كان المتكلم أهلًا لها ولم تفض إلى مفسدة. والميزان أن حال الموعظة غير حال المناظرة والخصومة، وأن الغرض منها حمل القلب على الخير لا إثبات تفوق المتكلم على من يخاطبه.
ويتصل بالرفق «نزاهة اللسان»، فينهى عن الفحش والبذاءة والتصريح بما تنفر منه الطباع إذا أغنت الكناية الجميلة، إلا حين تكون العبارة الصريحة لازمة للإفهام. ثم يفضل في الإنكار العام ألا يواجه صاحب الخطأ باسمه ما دامت المصلحة تحصل من غير تعيين، ويعرض أسلوبًا ألطف من ذلك حين يوجه الواعظ العتاب إلى نفسه بلفظ المشاركة، فيقول ما يفيد: ما لنا لا نفعل؟ فيدخل مع سامعيه في التذكير بدل أن يقف فوقهم في مقام الاتهام.
وتأتي مراعاة المشاعر امتدادًا لهذه السياسة؛ فيحذر من الإكثار من صيغ الأمر والتقريع، ومن إحراج السامعين أو تحميلهم ما يثقل عليهم، ويحث على إنزال الناس منازلهم، وذكر ما عندهم من خير، واحترام من يكون محل توقير بينهم. وقد تدعو الحكمة إلى نقل كلام نافع من غير ذكر اسم صاحبه إذا كان الاسم نفسه يثير النفرة، أو إلى عزوه إلى قائله إذا كان في ذكره ما يعين على قبول الحق؛ فالمقصود وصول المعنى لا استثارة حساسيات تحول بينه وبين السامع.
ويشدد على التثبت قبل الكلام، ثم يضيف إلى صحة الخبر سؤالًا آخر: هل في نشره مصلحة؟ فلا كل ما صح يلزم أن يذاع، ولا كل ما يعرفه الواعظ يناسب كل مجلس. وتزداد هذه المسؤولية في الفتن والأمور العامة، حيث قد يحول نشر خبر صحيح في غير موضعه إلى مفسدة. ومن هنا يحث على التريث، وترك التعجل في إبداء الرأي في كل حادثة، والنظر في العواقب قبل إطلاق الكلام.
ثم ينتقل إلى بناء الموعظة نفسها، فيجعل التمهيد والتدرج وسيلة لتقريب ما يشق على النفوس، ويشرح كيف يمكن إعداد المخاطب للمعنى قبل مطالبته به. وبعد ذلك يوسع الحديث في براعة الأسلوب ومراعاة مقتضى الحال؛ فالشباب ليسوا كالشيوخ، والعامة ليسوا كأهل العلم، والمضطربون يحتاجون إلى خطاب يختلف عن الفاترين، وصاحب المنصب لا يخاطب بالطريقة نفسها التي يخاطب بها غيره. ولا يعني جمال الأسلوب عنده التكلف في السجع أو وحشي اللغة، وإنما حسن العبارة التي تفهمها الفئة المقصودة وتستحسن سماعها.
ويفرد لبداية الموعظة ونهايتها عناية خاصة؛ فالافتتاح يهيئ النفوس ويصنع الانطباع الأول، ولهذا ينبغي أن يكون جذابًا مناسبًا موجزًا، وقد يبدأ بآية أو حديث أو حكمة أو كلمة تفتح السامع للموضوع، مع اجتناب الافتتاح الذي يحرج الحاضرين أو يلزمهم بالبقاء أو يصف المنصرفين بما ينفرهم. وكذلك الخاتمة ينبغي أن تصيب الغرض وتوجز المعنى وتحرك الوجدان، لأنها آخر ما يبقى من الكلام في النفس.
وتتتابع بعد ذلك أدوات الإلقاء: التنويع بين الاستفهام والتقرير والطلب والنداء، والترسل في الكلام من غير سرعة تذهب بالفهم ولا بطء يجلب السآمة، وضبط نبرة الصوت وارتفاعه، واستخدام التكرار حين يخدم تثبيت المعنى. ويحث على توشيح الموعظة بالقرآن والأحاديث الصحيحة، وسوق القصص الثابتة المؤثرة، وإدخال الحكمة والشعر الحسن، وضرب الأمثال والتشبيهات، مع الحرص على الإعراب واجتناب اللحن قدر المستطاع.
ويضيف أساليب أكثر اتصالًا بالتأثير النفسي؛ كتذكير الناس بمآلات أفعالهم، وبيان ما تفضي إليه الوسائل من خير أو شر، وربط الكلام بإشارة حسية حين تلائم المعنى، وتوجيه الأسئلة التي تهيئ السامع للجواب، واستدعائه لطلب البيان، ومخاطبة الوجدان والعاطفة، واستعمال النداء بما يحب المخاطبون من الأوصاف. فالمقصود بالإقناع في الموعظة ليس إقامة الحجة الذهنية وحدها، بل حمل الإنسان على أن يختار الخير بإرادته.
ويوازن في مضمون الموعظة بين الخوف والرجاء؛ فلا يفتح باب الأمن من العاقبة حتى يجرئ الناس على المعصية، ولا يبالغ في التخويف حتى يغلق عليهم باب التوبة. ثم يرد حسن الوعظ إلى فقه المصالح والمفاسد، فيطلب من الواعظ ألا يكتفي بامتلاك النص، بل ينظر كذلك في أثر تنزيله على الحال المعينة، ويستعين بأهل العلم والبصيرة إذا التبست العواقب، لأن محاولة إزالة منكر قد تفضي أحيانًا إلى منكر أشد.
ومن هذا الفقه أيضًا «تحديث الناس بما يعقلون»؛ فالمعنى الذي يصلح لأهل الاختصاص قد يوقع العامة في الحيرة أو الفتنة، والموعظة العامة ينبغي أن تصاغ بألفاظ مأنوسة ومعانٍ ظاهرة تستوعبها طبقات السامعين المختلفة. ولهذا يحذر من إدخال المسائل الدقيقة ومواطن الخلاف في كل مقام، كما يحث على الاعتدال في الطرح، وترك التهويل والتهوين والمبالغة في المدح والذم والوعد والوعيد.
ويعيد الكتاب في خواتيم آدابه الواعظ إلى نفسه؛ فيدعوه إلى الانشراح للنقد الهادف، وإصلاح ما بينه وبين الله تعالى، واحتساب ما يبذله من جهد، وألا يجعل شكر الناس شرطًا لاستمرار نصحه. ويحذره من «الورع الخادع» الذي يدفعه إلى ترك الوعظ خوفًا من الرياء؛ فالعلاج عنده مجاهدة النية لا تعطيل أبواب الخير، ما دام قادرًا على الكلام بعلم وعلى نفع الناس.
ويحذر كذلك من اليأس إذا تأخر أثر الموعظة؛ فالواعظ يملك البلاغ وبذل السبب، أما هداية القلوب فبيد الله تعالى، وقد لا تظهر الثمرة فورًا، أو لا يزول الشر كله ولكن يضعف أثره. ثم يختم آدابه بأن يستشعر الواعظ أنه أول المخاطَبين بما يقول؛ فيسمع موعظته لنفسه قبل أن يطالب بها غيره، ويظل مفتقرًا إلى الله تعالى خائفًا من تقصيره، بعيدًا عن الإعجاب بما قد يراه من تأثر الناس بكلامه.
وبهذا يجمع «أدب الموعظة» بين 3 دوائر متداخلة: تزكية الواعظ، وفقه الموعظة، وصناعة إلقائها. فالكتاب لا يعامل الوعظ باعتباره قدرة على الكلام المؤثر وحدها، ولا علمًا صحيحًا يكفي صاحبه أن يسرده كيف شاء؛ بل يجعله ممارسة تحتاج إلى علم وإخلاص، وفقه بالنفوس والأولويات والعواقب، وقدرة على اختيار الوقت واللفظ والنبرة والأسلوب. وعند اجتماع هذه المعاني تكون الموعظة أقرب إلى غايتها: أن يصل الحق إلى القلب من غير أن يحجبه سوء العبارة، وأن يبقى الواعظ نفسه أول المنتفعين بما يدعو إليه.