يضع أزهري أحمد محمود في كتابه «أخلص العمل فإن الناقد بصير» الإخلاص في موضع الميزان الذي تُوزن به الأعمال؛ فصلاح ظاهر العمل لا يكفي لقبوله ما لم تصح النية ويُقصد به وجه الله تعالى وحده. ومن هذا الأصل يبني موعظةً تتجه إلى القلب، وتحمله على تفقد دوافعه ومحاسبة نفسه، خشية أن يكثر عمله ثم يفسده الرياء أو طلب المحمدة أو حظوظ النفس.ويبدأ بتعريف الإخلاص من خلال أقوال عدد من أهل العلم والعبادة، فتجتمع تلك التعريفات على تصفية العمل مما يشوبه، وصدق النية مع الله تعالى، واستواء حركة العبد وسكونه في إرادة وجهه، وإخفاء الحسنة عن أعين الناس كما يحرص المرء على ستر سيئته. ويؤكد أن معرفة هذه المعاني لا يراد بها مجرد الفهم، بل أن تبلغ القلب فتغير قصده وعمله.ثم يبين أن قيمة العمل متعلقة بما في القلب، مستشهدًا بالأحاديث الدالة على أن الاعتبار بالقلوب والأعمال لا بالصور والأموال. ويورد من كلام السلف ما يربط أفضل العمل بصدق النية، حتى تصبح خطوة واحدة خالصة لله تعالى أثمن من أعمال كثيرة داخلها الالتفات إلى الخلق.ويجعل أول مراتب الإخلاص إخلاص التوحيد وإفراد الله تعالى بالعبادة، فيستدل بما ورد في فضل قول «لا إله إلا الله» بإخلاص، وبالوعيد على إشراك غير الله تعالى في العمل. فالإخلاص عنده ليس تحسينًا زائدًا للعمل، وإنما أصل تتوقف عليه سلامة العبادة وقبولها.ويخص مرحلة ما قبل العمل بعناية ظاهرة؛ لأن فساد النية في البداية قد يفسد ما يأتي بعدها. ولهذا يحث القارئ على تفقد قصده قبل الدخول في الطاعة، وينقل عن السلف شدة معاناتهم في تصحيح النيات، حتى عدّ بعضهم تخليص النية أشق من نفس العمل. ويقرر أن تفاوت الثواب مرتبط بتفاوت الإيمان والاحتساب وصدق القصد، لا بمجرد صورة الفعل.ثم يجمع جملة من ثمرات الإخلاص تحت عنوان «كنوز الإخلاص»، فيذكر أنه سبب للنجاة ورفعة صاحبه، وأن عون الله تعالى للعبد يكون على قدر صدق نيته، وأنه ينقي الأعمال من عيوبها ويعين على صلاح ما وراءها. كما يجعل الإخلاص باعثًا على التوسع في أبواب البر؛ لأن من صح قصده لم يتوقف عند عمل بعينه، بل طلب كل ما يقربه إلى الله تعالى.ويكشف الكتاب في أثناء ذلك دقة هذا الباب وخفاء آفاته؛ فالعمل قد يبدو صالحًا للناس، بينما يتعلق القلب بالثناء أو الشهرة أو المنزلة. ومن هنا تتكرر الدعوة إلى مراقبة القلب، وعدم الاغترار بحسن الظاهر، والتفتيش عن الحظوظ التي قد تدخل على الطاعة من حيث لا يشعر صاحبها.ويعرض بعد ذلك نماذج من أخبار السلف في إخفاء الأعمال، ليجعل المعنى المجرد سلوكًا مشاهدًا. فيذكر من كان يخفي قيام الليل حتى عن أقرب الناس إليه، ومن يحمل الصدقة ليلًا فلا يعرف الفقراء مصدرها إلا بعد موته، ومن يقضي دَين غيره فيشترط ألا يُكشف اسمه، ومن يبكي في صلاته بحيث لا يشعر به من يجاوره.ويضم إلى ذلك نماذج في صيانة الدين عن منافع الدنيا؛ فيذكر من امتنع عن الشراء ممن قد يحابيه لمعرفته بفضله، ومن ترك متجرًا حين علم أن صاحبه سيخصه بمعاملة بسبب مكانته، ومن قام من مجلس علم حين خشي أن يعجب بكثرة من اجتمعوا إليه. وهذه الأخبار كلها ترجع إلى معنى واحد: أن المخلص لا يريد أن تتحول عبادته أو علمه أو صلاحه إلى رأس مال يشتري به ثناء الناس أو امتيازاتهم.ولا يجعل إخفاء العمل مقصدًا مستقلًا في كل حال، وإنما يورده بوصفه وسيلة لحراسة القلب من الالتفات إلى الخلق. فالعبرة أن يكون ثواب الله تعالى هو المطلوب، وأن يستصغر العامل كل ما يمكن أن يناله من مدح أو منفعة إذا قورن بما يرجوه عند الله تعالى.ويحذر في آخر الكتاب من خلط الطاعة بالشوائب التي تذهب بثمرتها، ويستشهد بتشبيه العمل الخالي من الإخلاص والاقتداء بمن يحمل في سفره جرابًا من الرمل؛ يتعب في حمله ولا ينتفع به. وبهذا يعود إلى الفكرة التي افتتح بها رسالته: ليس الشأن في كثرة الحركة، وإنما في عمل صلح ظاهره، وسلم باطنه، وصح فيه القصد لله تعالى.ويترك «أخلص العمل فإن الناقد بصير» قارئه أمام محاسبة لا تتعلق بما أنجزه من الطاعات بقدر ما تتعلق بالسؤال الأصعب: لمن كان هذا العمل؟ فالمؤلف يلاحق النية قبل الفعل وأثناءه، ثم يضع أمامها أخبار المخلصين لتنكشف المسافة بين مجرد أداء الطاعة وبين تجريدها لله تعالى، حتى يصبح إصلاح القصد عملًا ملازمًا لكل عمل آخر.