مكتب الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

قراءة وتحميل كتاب أدب النفس للحكيم الترمذي PDF
قراءة وتحميل كتاب أدب النفس للحكيم الترمذي PDF

نبذة عن الكتاب:

يردّ الحكيم الترمذي في كتابه «أدب النفس» اضطرابَ القلب وانحرافَ العمل إلى استيلاء الشهوة والهوى على النفس، ثم يجعل تأديبها وفِطامها عن مألوفاتها طريقًا إلى صفاء القلب وقوة اليقين. فالإنسان قد يؤمن ويقر بالتوحيد، ويبقى قلبه مع ذلك عرضةً لضغط الشهوة ووسوسة الشيطان وميل الهوى؛ فيعرف الحق ثم تضعف نفسه عن الوفاء به، أو يشتغل قلبه بالأسباب والمخاوف والمطامع حتى يصير الإيمان الذي استقر فيه محجوبًا عن أثره. ومن هنا يدور الكتاب حول الصراع بين ما في القلب من معرفة وعقل ونور، وما تقوم به النفس من شهوات وهوى ومطالب تنازع القلب سلطانه.

ويؤسس الترمذي حديثه على أن الإنسان خُلق لعبادة الله تعالى وتوحيده، وأن القلب جُعل بمنزلة الملك على الجوارح. فإذا جاءت الشهوة حركت البدن وأزعجت القلب، وزيّن الشيطان، ومال الهوى بصاحبه، حتى قد يبدو من العمل ما يخالف المعرفة المستقرة في الباطن. ولا يعني ذلك زوال الإيمان من القلب في كل معصية، بل قد يكون القلب مأسورًا مقهورًا بما غلب عليه؛ ولذلك تصبح القضية الأساسية عنده تحرير القلب من سلطان النفس حتى يعود ما عرفه من الحق قادرًا على قيادة الجوارح.

ويظهر هذا الصراع أولًا في الرزق وتدبير شؤون الحياة؛ فالعبد يعرف أن رزقه مقدر، ومع ذلك تضطرب نفسه عند الحاجة لأنها تريد الرزق في الوقت والقدر والصفة والطريق التي تشتهيها. فإذا جاءت الأمور على خلاف مرادها حملها الجزع والهلع على التعلق بالدنيا، وربما ساقها ذلك إلى الشبهات وقطيعة الأرحام وبغض الناس والتعدي على حقوقهم. أما قوة اليقين فترد النفس إلى الثقة بتدبير الله تعالى، وتعلمها أن اختيارها لنفسها ليس أرحم بها ولا أعلم بمصلحتها من اختيار خالقها.

ولهذا يكرر محاورة النفس ومساءلتها: لماذا تضطربين مع الإيمان بالضمان والوعد؟ ولماذا تطمئنين إلى وثيقة بشرية ولا يطمئن قلبك إلى ما أخبر الله تعالى به؟ ومن خلال هذه المحاورة يكشف أن المشكلة ليست في جهل النفس بأصل الإيمان وحده، بل في شهواتها الكامنة؛ فهي تريد العز، وتخشى الذل، وتشتهي ألوان النعيم، وتتألم لفوات المنى. وما دام رضاها متعلقًا بتحقق هذه المطالب، بقيت في منازعة مع ما يأتيها على غير اختيارها.

ومن هذا الباب يفرق بين الصبر والرضا؛ فالصابر يقبل ما يكره مع بقاء ثقله ومرارته في نفسه، أما الراضي فقد قويت معرفته ويقينه حتى أصبحت مشيئة الله تعالى أحب إليه من مشيئة نفسه. ويقرب الفرق بأمثال محسوسة: رجل يفقد مالًا ثم يصبر لعلمه بأنه سيعوض عنه، وآخر يملك من الغنى ما يجعل المفقود هينًا في عينه. فالأول تخفف مرارة الفقد بما يرجوه، بينما الثاني تجاوز تعلق قلبه بالمفقود أصلًا. وعلى هذا يبني معنى الغنى بالله تعالى في مقابل أسر القلب للأشياء.

ويتصل الرضا بالتوكل؛ فالموقن يطلب رزقه إذا طُلب منه السعي، لكن قلبه لا يضطرب مع الأسباب، فإذا رأى في طريق منها ما ينقص حظه من الدين تركها وانتظر الفرج من وجه آخر. ويرفع الترمذي منزلةً فوق ذلك لمن شغله الرزاق عن الرزق، فأصبح قلبه متعلقًا بالله تعالى، يستحضر لطفه ورحمته ورعايته أكثر مما يستحضر ضمان حاجته نفسها. والتوكل بهذا المعنى ليس ترك العمل، بل تفويض أمر النفس إلى الله تعالى، والرضا بما يجري عليها مع القيام بما أُمرت به.

ثم يعود إلى أصل الكتاب: «رياضة النفس». ويشتق معناها من الكسر، لأن النفس ألفت اللذة والشهوة والعمل بالهوى، فلا تنقطع عادتها بمجرد المعرفة، وإنما تحتاج إلى الفطام. ويشبهها بالصبي الذي اعتاد اللبن ثم ينقطع عنه شيئًا فشيئًا، وبالبازي الذي يترك نفاره بالتربية حتى يعود إلى صاحبه إذا دعاه، وبالدابة التي تتحول بالرياضة من جموحها واتباعها هواها إلى الاستجابة للجام وإشارة راكبها. والمقصود بهذه الأمثلة أن الطاعة يمكن أن تتحول بكثرة المجاهدة من تكلف شديد إلى خُلُق مستقر.

ولا يقصد بفطام النفس تحريم ما أحل الله تعالى؛ بل يصرح بأن المنع هنا تأديب وعلاج حين يسيء الإنسان استعمال المباح. فالنعمة قد تدخلها المباهاة والرياء والفخر والإسراف، وحين يكون القلب متعلقًا باللذة لا يحسن الانتفاع بها على الأدب الذي شرعت له. ولذلك يمنع المربي نفسه بعض مألوفاتها حتى تذل شهوتها وينفك القلب من أسرها، ثم يعود إلى المباح من موضع الشكر والاعتدال، لا من موضع الاستعباد للهوى.

ويربط طهارة القلب بالورع وقطع التعلق بالشهوات، ويصور القلب مرآةً لا تعكس الحقائق ما دام الصدأ يغطيها. فإذا صقلت بالمجاهدة والورع أشرق فيها نور المعرفة، وعند الترمذي ينشأ من ذلك اليقين؛ فالهوى حجاب بين نور المعرفة وبين ما يصفه بنور اليقين، وكلما ضعف الحجاب قويت بصيرة القلب. ولهذا يكثر من الحديث عن رؤية القلب ومعاينته لمعاني الآخرة حتى تصبح آثار الوعد والوعيد أشد حضورًا في السلوك من المشاهدات الحسية العاجلة.

ويفرد لذلك وصفًا للقلب والفؤاد والصدر، محاولًا بيان العلاقة بينها وبين المعرفة والإيمان والفكر. فالقلب عنده معدن النور، والفؤاد يدرك ما يشرق منه، والصدر ميدان تظهر فيه آثار الأفكار والمعاني. وإذا امتلأ القلب بالهوى حجب النور كما يحجب الصدأ انعكاس المرآة، وإذا انكشف الحجاب ظهرت آثار المعرفة في السكينة والثقة وحسن النظر إلى الدنيا والآخرة.

ولا يكفي عنده أن تهدأ النفس مرة؛ إذ يحذر من إهمالها بعد الرياضة، لأنها قد تعود إلى عاداتها ما دامت الشهوة والهوى قائمين. ويشبه القلب حين تستعيد النفس سلطانها بقوس اختل تركيبها فلا تصيب السهام أغراضها؛ فقد يريد صاحبها البر ثم يحيد به الهوى، أو يعمل من غير نية صافية، أو يجاوز الحد الذي تقف عنده السنة. وكلما قويت الشهوة ضعفت أنوار العقل والمعرفة والعلم، حتى يقسو القلب ويثقل عليه ذكر الله تعالى.

ومن أدق ما ينبه إليه أن الهوى قد يدخل في الطاعة نفسها؛ فلا يكون كل إكثار من العبادة دليلًا على غلبة النفس. فقد يختار الإنسان من أعمال الخير ما توافقه نفسه، ثم يترك واجبًا أشق عليها أو يضيع حقًا للناس؛ فيقوم الليل ويعق والديه، أو يصوم ويسوء خُلُقه، أو ينفق في البر ويقع في الشبهات، أو يعتني بالأباعد ويقطع الرحم. ويسمي الترمذي هذا عبادةً بالهوى؛ لأن صاحبها لم يجعل أمر الله تعالى هو الحاكم على اختياراته، بل انتقى من الطاعات ما نشطت له نفسه.

ولهذا يجعل معرفة الله تعالى «رأس العلم» الذي يصلح ما وراءه؛ فكلما قويت المعرفة عظمت الثقة بالوعد والوعيد، وضعف سلطان الأسباب على القلب. ويصور كيف يعظم الإنسان المخلوق إذا اجتمعت فيه خصال من العلم والغنى والكرم والقوة والرحمة، ثم يدعوه إلى النظر في كمال صفات الخالق حتى يستقر في قلبه من التعظيم والثقة ما يمنعه من اضطراب النفس أمام الحوادث. فالقوة التي تقهر الهوى عنده ليست كثرة الطاعة وحدها، وإنما نور المعرفة الذي يعطي الطاعة معناها واتجاهها.

ويضع للنفس جملة من الأخلاق التي تتسلط بها على الإنسان، فيذكر الغضب والرغبة والرهبة والشهوة والغفلة والشك والشرك. ثم يبين أن نور الإيمان يبدل الغفلة يقظةً، والشك يقينًا، والشرك إخلاصًا، بينما يبقى الإنسان في مجاهدة ما بقي من الشهوة والغضب والرغبة والرهبة. وقد تظهر آثار ذلك في تعلق القلب بالأسباب؛ فيطمئن إلى المال أو الدواء أو الحصن أو القوة وينسى مسببها، ثم يعود عند الذكر إلى الإقرار بأن الأمر كله لله تعالى.

ولا يحصر أثر تهذيب النفس في علاقة الإنسان بنفسه؛ بل يصل منه إلى حقوق الآخرين والعبادات والمعاملات. فيذكر تحريم الاعتداء على الدماء والأموال والأعراض، والغيبة والبهتان والتجسس وسوء الظن والأذى والزنا والخمر والربا، ثم يذكر الصلاة والزكاة والحج وصلة الأرحام وبر الوالدين والإحسان إلى الجار والصاحب والضيف والمملوك. وتلتقي هذه الأحكام عنده في إخراج العبد من الاسترسال مع شهوته إلى أداء حق الله تعالى وحقوق خلقه.

ويبلغ الحديث ذروته في «مجاهدة النفس»، فيفسرها بوصفها حربًا حقيقية بين النفس التي ترمي الإنسان بسهام الشهوة ويقويها الهوى، وبين ما في القلب من معرفة وعقل، مع الاستعانة بالله تعالى. فلا يكفي الاعتماد على قوة الإرادة؛ لأن النصر في هذه الحرب مرتبط بالاعتصام بالله تعالى واستمداد العون منه. وإذا صدق العبد في المجاهدة زال حجاب الهوى، وقوي القلب على السكون والثقة والتوكل، أما إذا اعتمد على نفسه خُذل وبقي أسيرًا لما يقاومه.

ويميز في هذا الموضع بين مجاهدة جزئية تترك للنفس أصول مطالبها، وبين «حق الجهاد» الذي يلاحق الهوى في مختلف الحركات والاختيارات. وقد يصوم المرء أيامًا، ويسهر ليالي، ويكثر من أعمال البر، لكنه إذا كان يفعل ذلك حين توافقه نفسه ثم يعود إلى شهواتها متى مالت إليها، لم يبلغ حقيقة المجاهدة التي يقصدها الترمذي. ويقابل ذلك بمن يحارب هواه في كل موطن حتى يفقد حب الجاه والمدح واللذة سلطانه على اختياره، فيصبح القلب أقدر على اتباع الأمر ولو خالف مألوف النفس.

ثم يسأل عن حقيقة الهوى نفسه، فيرده إلى ميل النفس إلى ما يلائم طبيعتها وشهواتها الأرضية، ويتتبع من هذا الميل حبَّ اللذة والعز والرياسة والمحمدة وطلب المنزلة في قلوب الناس. فالإنسان قد يطلب السيطرة لا لذاتها، بل ليضمن ألا يعترض أحد سبيل ما يشتهيه، وقد يتزين للخلق طلبًا لتعظيمهم حتى تصبح قلوبهم وسيلة إلى إنفاذ مراده. ويجعل النهاية القصوى لهذا المسار نزوع النفس إلى الاستعلاء الذي تجسده دعوى فرعون للربوبية، محذرًا من الاستهانة ببدايات الهوى الصغيرة لأنها تقوى إذا غذيت.

وينتهي الكتاب إلى طريقين يضعف بهما سلطان الهوى: مجاهدة الشهوات حتى تنقمع النفس ويصفو القلب، أو دوام التفكر في قدرة الله تعالى وتدبيره حتى يقوى نور المعرفة شيئًا فشيئًا فيغلب ظلمة الهوى. وقد تدرك العبدَ رحمة الله تعالى في أثناء جهاده وطلبه، فيذوق من حلاوة القرب ما يصرفه عن الشهوات التي كانت تستعبده. وهنا يلتقي آخر الكتاب بأوله: فالمقصود من تأديب النفس ليس إتعابها لذاته، وإنما إعادة القلب إلى موضع القيادة، حتى يعبد الإنسان ربَّه عن معرفة ويقين، ويتحرر اختياره من سلطان الشهوة والهوى.



إحصائيات الكتاب
قُرئ 0 مرة حُمِّل 0 مرة
يقرأه 0 الآن انضم معهم
يحمّله 0 الآن انضم معهم

الحكيم الترمذي

الإمام، الحافظ، العارف، الزاهد، أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن بشر، الحكيم التِّرْمِذِي.

حدث عن: أبيه، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن حُجْر، وصالح بن عبد الله التِّرْمِذِي، وعتبة بن عبد الله المروزي، ويحيى خَتّ، وسفيان بن وكيع، وعباد بن يعقوب الرَّوَاجِنِي، وطبقتهم.

وكان ذا رحلة ومعرفة، وله مصنفات وفضائل.

حدث عنه: يحيى بن منصور القاضي، والحسن بن علي، وغيرهما من مشايخ نيسابور، فإنه قدمها، وحدث بها في سنة خمس وثمانين ومائتين. وقد لقي أبا تراب النَّخْشَبِي، وصحب أحمد بن خَضْرَوَيْه، ويحيى بن الجَلَّاء.

وله حكم ومواعظ وجلالة، لولا هفوة بدت منه.

ومن كلامه: ليس في الدنيا حمل أثقل من البر، فمن برك فقد أوثقك، ومن جفاك فقد أطلقك.

وقال: كفى بالمرء عيبًا أن يسره ما يضره.

وقال: من جهل أوصاف العبودية، فهو بنعوت أوصاف الربانية أجهل.

وقال: صلاح خمسة في خمسة: صلاح الصبي في المكتب، وصلاح الفتى في العلم، وصلاح الكهل في المسجد، وصلاح المرأة في البيت، وصلاح المؤذي في السجن.

وسئل عن الخلق، فقال: ضعف ظاهر، ودعوى عريضة.

قال أبو عبد الرحمن السُّلَمِي: أخرجوا الحكيم من تِرْمِذ، وشهدوا عليه بالكفر، وذلك بسبب تصنيفه كتاب «ختم الولاية»، وكتاب «علل الشريعة»، وقالوا: إنه يقول: إن للأولياء خاتَمًا، كالأنبياء لهم خاتَم، وإنه يفضل الولاية على النبوة، واحتج بحديث: «يغبطهم النبيون والشهداء». فقدم بَلْخ، فقبلوه لموافقته لهم في المذهب.

وذكره ابن النجار، فوهم في قوله: روى عنه علي بن محمد بن يَنَال العُكْبَرِي، فإن ابن يَنَال إنما سمع من محمد التِّرْمِذِي، شيخ حدثهم في سنة ثمان عشرة وثلاثمائة.

قال السُّلَمِي: حدثنا علي بن بندار الصَّيْرَفِي، سمعت أحمد بن عيسى الجَوْزَجَانِي، سمعت محمد بن علي التِّرْمِذِي يقول: ما صنفت شيئًا عن تدبير، ولا لأن ينسب إلي شيء منه، ولكن كان إذا اشتد علي وقتي كنت أتسلى بمصنفاتي.

وقال السُّلَمِي: هجر لتصنيفه كتاب «ختم الولاية»، و«علل الشريعة»، وليس فيه ما يوجب ذلك، ولكن لبعد فهمهم عنه.

قلت: كذا تكلم في السُّلَمِي من أجل تأليفه كتاب «حقائق التفسير»، فيا ليته لم يؤلفه، فنعوذ بالله من الإشارات الحَلَّاجِيَّة، والشطحات البِسْطَامِيَّة، وتصوف الاتحادية. فواحزناه على غربة الإسلام والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.

المصدر: كتاب سير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي.

عرض النبذة وكتب المؤلف