يستقصي أبو جعفر أحمد بن يوسف الرعيني في «اقتطاف الأزاهر والتقاط الجواهر» طائفة مخصوصة من تصاريف الفعل الثلاثي المجرد، هي الأفعال التي ماضيها على «فَعَلَ» بفتح العين، ويأتي مضارعها بالضم على «يَفْعُلُ» أو بالكسر على «يَفْعِلُ»، مع عنايته بالأفعال التي يرد فيها الوجهان مع اتفاق المعنى أو اختلافه. وقد أفرد هذا النوع بالتصنيف لما وجده من اتساع تصاريف الأفعال والتباسها، ولأن «فَعَلَ» المفتوح العين كثير الدوران في كلام العرب. ورتب مادته على حروف المعجم، وقرر أن يبدأ في كل باب بما اتفق معناه، بعد مقدمة في أحكام هذا البناء وصحيحه ومعتله، وأن يختم الكتاب بفصل في الأفعال التي تستعمل متعدية وغير متعدية.
ويمهد الرعيني لمادته بمعالجة أصول صرفية تضبط حركة مضارع «فَعَلَ»، فيقرر أن الفعل الصحيح السالم غير المضاعف قد يأتي مضارعه على «يَفْعُلُ» أو «يَفْعِلُ»، وأن السماع هو الأصل عند ثبوت الرواية؛ فإذا ثبت وجه عن العرب لم يُعدل عنه. ويعرض اختلاف النحويين في المفاضلة بين الضم والكسر، فيذكر القول بتساويهما في الكثرة والغلبة، وينقل آراء أبي علي الفارسي والمبرد وثعلب وابن جني وغيرهم، ثم يبين ما يرتبط بالتعدي واللزوم من محاولات التقعيد. كما يفرد باب المغالبة بالشرح، موضحًا ما يطرد فيه من ضم عين المضارع، وما يستثنى من ذلك في بعض الأفعال المعتلة.
ويفصل أثر حروف الحلق في حركة عين المضارع، فيبين أن وقوع أحدها عينًا أو لامًا يؤدي في الأكثر إلى مجيء المضارع على «يَفْعَلُ»، مثل «سأل يسأل» و«قرأ يقرأ»، ويشرح لماذا لا يكون لها الأثر نفسه إذا وقعت فاءً. ثم يجمع ما خالف هذا القياس من الأفعال، ويميز بين ما جاء على القياس وما ثبت بالسماع على صورة أخرى، ويبحث تداخل اللغات في تفسير عدد من الأبنية الشاذة. ولا يتعامل مع هذه الشواذ باعتبارها قوائم مجردة، بل يحاول رد كل صورة إلى أصلها أو بيان سبب خروجها عن القاعدة.
ويقسم الأفعال بحسب بنائها إلى الصحيح، والمعتل الفاء، والمعتل العين أو اللام، والمضاعف، ويقرر لكل قسم ما يغلب في مضارعه. فالمثال الواوي يغلب فيه الكسر مع حذف الواو، ويبحث علة حذفها وما جرى مجراه بالحمل، بينما يفرق في الأجوف والناقص بين ذوات الواو وذوات الياء، رابطًا الضمة بالواو والكسرة بالياء للدلالة على أصل حرف العلة. أما المضاعف فيميز فيه بين المتعدي وغير المتعدي، ويتتبع الأفعال التي خالفت الغالب أو ورد فيها أكثر من وجه. ويعرض أثناء ذلك مسائل الإعلال والحذف والإبدال ونقل الحركات، ويوازن بين تعليلات النحويين والصرفيين فيما اختلفوا فيه.
ويلحق بهذه المقدمة بحثًا في مصادر «فَعَلَ يَفْعِلُ» و«فَعَلَ يَفْعُلُ»، فيقسم كلًّا منهما إلى متعد وغير متعد، ويجمع الأوزان القياسية والكثيرة الورود وما سمع على غير الغالب. فيذكر أوزانًا متعددة للمصادر من «فَعْل» و«فُعُول» و«فِعال» و«فُعْلان» و«فَعَلان» و«مَفْعَل» و«مَفْعِلة» وغيرها، ويبين ما يكثر في المتعدي وما يغلب في اللازم. ثم يتناول اسم المرة، فيقرر بناءه على «فَعْلة» إذا كان المصدر خاليًا من التاء، مع بيان كيفية الدلالة على المرة إذا كان المصدر نفسه مختومًا بها. وبذلك لا يقتصر تمهيده على حركة المضارع، بل يربطها بمصادر الأفعال وأبنيتها وما يتفرع عنها.
ثم يبدأ صلب الكتاب بباب الهمزة، ويمضي على ترتيب الحروف حتى الباب السادس والعشرين في الواو. ويقسم مواد الحرف بحسب بنية الفعل وبحسب اتفاق المعنى واختلافه؛ فيرد مثلًا «أبدت البهيمة تأبُد وتأبِد» بالمعنى نفسه، و«أبق العبد يأبُق ويأبِق»، ثم يفرد للمعتل والمضاعف والأجوف ما يناسب كل نوع. وإذا اختلف معنى الفعل باختلاف حركة مضارعه، فصل بين المعنيين، كما في الأفعال التي يكون لها معنى مع الضم وآخر مع الكسر. وقد يضم إلى المادة أكثر من لغة، أو ينبه إلى أن أحد الوجهين أفصح أو أكثر أو نادر أو شاذ.
ويشرح الرعيني معاني الأفعال شرحًا معجميًا، ويورد مصادرها ومشتقاتها وما يتصل بها من استعمالات، ويستشهد بالقرآن الكريم والحديث النبوي والشعر وكلام العرب، وينسب كثيرًا من اللغات والنقول إلى أئمة اللغة كالأصمعي والفراء وأبي زيد وابن الأعرابي والجوهري وابن دريد وابن جني وغيرهم. وقد تتسع المادة إلى مناقشة قراءة قرآنية، أو بيان تصحيف وقع في بيت من الشعر، أو تفسير لفظ من الأضداد، أو تحرير اختلاف بين المعاجم في معنى الكلمة وضبطها. ولذلك يجمع عرضه بين التصريف والمعجم والاستشهاد، ولا يجعل الغاية مجرد إحصاء حركة عين المضارع.
ويضيف بعد الأبواب المعجمية فصلًا خاصًا في الأفعال التي جاء مضارعها مثلث العين بالضم والكسر والفتح، فيجمع أمثلة مثل «أبد» و«أجن» و«جنح» و«حرص» و«رجح» و«قنط» و«نحَت» وغيرها، ويبين أن الضم والكسر يجريان على ما سبق من قواعد، أما الفتح فيكون لأثر حرف الحلق أو لأسباب صرفية ولغوية أخرى. ويكشف هذا الفصل عن امتداد غرض الكتاب من الثنائية بين «يَفْعُل» و«يَفْعِل» إلى ضبط ما ثبتت فيه حركة ثالثة أيضًا، مع بقاء محور البحث هو سماع العرب واختلاف تصريف الفعل.
ويختم بفصل يجمع الأفعال التي تستعمل متعدية بنفسها في موضع ولازمة في موضع آخر، فيورد نماذج كثيرة من نحو «أبان» و«استبان» و«أضاء» و«بجس» و«تبين» و«جلا» و«درس» و«ركض» و«سكب» و«عفا» و«كسف» و«نضَر» و«هاج» و«وقف» وغيرها، مبينًا استعمال كل فعل في الحالين. ثم يصرح بأن ما جمعه هو ما سمحت به ظروف رحلته وضيق المجال، ولا يدعي استيفاء هذا الباب؛ لأن لغة العرب أوسع من أن يحاط بجميعها. وبذلك يقدم «اقتطاف الأزاهر والتقاط الجواهر» دراسة صرفية معجمية متخصصة في «فَعَلَ» المفتوح العين، تجمع قواعد مضارعه ومصادره، واختلاف الضم والكسر والفتح فيه، وصحيحه ومعتله ومضاعفه، وما تتفق دلالته أو تختلف باختلاف التصريف، مع توثيق ذلك بالسماع والشواهد وأقوال أئمة العربية.