يشرح صدر الأفاضل القاسم بن الحسين الخوارزمي في «التخمير» كتاب «المفصل» للزمخشري شرحًا مطولًا يتتبع ألفاظه ومسائله من أوله إلى آخره، ويفك تراكيبه، ويوضح حدوده وتعليلاته وشواهده، ويستدرك ما يحتاج إلى تقييد أو تصحيح، ويناقش ما يخالف فيه مؤلف «المفصل» أو غيره من النحويين. وقد سبق للخوارزمي الاشتغال بـ«المفصل» زمنًا طويلًا، وذكر أنه حلَّق عليه قريبًا من 30 سنة، فجاء «التخمير» جامعًا لما استقر لديه من تفسير مسائله والنظر في مشكلاته، مع المحافظة على ترتيب الكتاب في أقسامه الأربعة: الأسماء، والأفعال، والحروف، والمشترك.
ويقوم الشرح على إيراد كلام الزمخشري أولًا ثم تعقيبه بشرح الخوارزمي، فيفصل بين المتن وشرحه بعبارتي «قال جار الله» و«قال المشرح». ولا تتساوى تعليقاته في الطول؛ فقد يكتفي بتفسير لفظ أو ضبط كلمة إذا كان المقصود ظاهرًا، وقد يتوسع في المسألة حتى تتحول إلى بحث مستقل. وإذا احتاج إلى استطراد يتجاوز القدر المباشر من شرح العبارة عقد له أحيانًا عنوان «تخمير»، وقد يورد بعض الفوائد الدقيقة تحت عنوان «لطيفة». ومن ثم يجمع الكتاب بين الشرح المتصل لـ«المفصل» وبين بحوث مستقلة تنشأ من مسائله.
ويعتني بنص «المفصل» نفسه عناية ظاهرة، فلا يتعامل معه بوصفه نصًا ثابت الألفاظ في جميع نسخه، بل يقارن الروايات ويصحح بعض المواضع، ويرجع إلى نسخ مختلفة، ويذكر أحيانًا ما أثبت في نسخة الزمخشري أو ما ورد في سماع بعض تلاميذه وأصحابه. وقد ينبه إلى لفظ يراه زائدًا أو ساقطًا، أو يختار رواية على أخرى، أو يستبدل مثالًا بما يراه أوفق بالقاعدة. ولهذا يجتمع في «التخمير» شرح الصناعة النحوية مع قدر من العناية بضبط متن الكتاب المشروح.
ويفتتح القسم الأول بالأسماء، وهو أوسع أقسام الكتاب، فيتناول أحكام الاسم من جهة الإعراب والبناء، والتعريف والتنكير، وأبواب المبتدأ والخبر وما يدخل عليهما من العوامل، والفاعل وما يتعلق به، والمفاعيل والحال والتمييز والاستثناء. ويتناول كذلك الإضافة والتوابع والنداء، وما يتصل بالأسماء من التثنية والجمع والتذكير والتأنيث والتصغير والنسب والعدد والمنع من الصرف، مع تفصيل القواعد التي تتفرع عن كل باب وبيان ما يطرد منها وما يخرج عن القياس.
ولا يقتصر قسم الأسماء على العلاقات الإعرابية داخل الجملة، بل يمتد إلى أبنية الأسماء وما يتصل بالاشتقاق، فيبحث المصادر، وأسماء الفاعلين والمفعولين، والصفات المشبهة، وأفعل التفضيل، واسمي الزمان والمكان، واسم الآلة، وما لهذه الصيغ من أبنية وأحكام وعمل. ويتوسع في باب المصدر خاصة في أوزانه واستعمالاته وعمله عمل الفعل، ويعرض ما نقل عن سيبويه وغيره من أبنية المصادر، ويوازن بين القياس والسماع في تفسير اختلاف الصيغ.
ويكشف هذا القسم بوضوح عن استقلال الخوارزمي بالنظر؛ فهو لا يلتزم تعليلات الزمخشري أو جمهور النحويين إذا لم تستقم عنده. ومن أبرز ذلك مناقشته باب الممنوع من الصرف، ومحاولته إعادة أصوله إلى ما يسميه «الحكاية» و«التركيب»، واعتراضه على بعض التعليلات المتداولة. كما يعيد النظر في مسائل أخرى، منها عامل الرفع في المبتدأ والخبر، وتقسيم البدل، وحقيقة بعض المنصوبات؛ فيقرر مثلًا أن المفاعيل في الحقيقة 3، ولا يجعل المنصوب بمعنى اللام والمنصوب بمعنى «مع» مفعولين بالمعنى نفسه الذي يجري في غيرهما.
ويخصص القسم الثاني للأفعال، مبتدئًا بحد الفعل وخصائصه ثم الماضي والمضارع والأمر، وما يعرض لها من بناء وإعراب ودلالة زمنية. ويتناول تعدية الفعل ولزومه، وما يتعدى إلى مفعول أو أكثر، والمبني للمفعول وما يصح أن ينوب فيه عن الفاعل، ثم أبنية الأفعال المجردة والمزيدة ودلالاتها. ويدخل في ذلك مسائل النصب والجزم والشرط وما يتصل بالعوامل الداخلة على المضارع، إلى جانب مباحث صرفية واسعة في اشتقاق صيغ الأفعال وتحول أبنيتها.
ويكثر في قسمي الأسماء والأفعال من مساءلة القاعدة نفسها بدل الاكتفاء ببيان الحكم، فيطرح أسئلة من قبيل «فإن سألت» ثم يجيب عنها، أو يورد وجهًا محتملًا ثم يختبر لوازمه. ويعتمد في ذلك على القياس، والنظر في الأصل والفرع، ومنع اللبس، والخفة والثقل، وكثرة الاستعمال، ومراعاة النظائر. وقد يوازن بين تعليلين للظاهرة الواحدة، أو يرد تعليلًا مشهورًا إذا رأى أنه لا يفسر جميع صور المسألة.
أما القسم الثالث فيفرده للحروف، فيبدأ بتحديد معنى الحرف وتمييزه من الاسم والفعل، ثم يتتبع أصناف حروف المعاني ووظائفها. فيشرح حروف الجر والعطف والنفي والتنبيه والاستثناء والخطاب والنداء والجواب والتحضيض والتفسير وغيرها، ويبين معاني الحرف الواحد إذا تعددت استعمالاته، وما يعمل منها وما يهمل، وما يختص بالأسماء أو الأفعال، وما يقع فيه الخلاف بين النحويين. وكثيرًا ما يحيل في هذا القسم إلى ما سبق تفصيله في قسم الأسماء إذا كانت المسألة قد استوفيت هناك.
ويفرد في أثناء بحث الحروف توسعات خاصة، فيجمع مثلًا حروف النفي ويقسمها بحسب الزمن الذي يقع عليه النفي، ويتعرض لما بين الحروف المتقاربة من فروق دقيقة. كما يناقش خلاف سيبويه والمبرد والكوفيين وغيرهم في عمل بعض الأدوات، ويستحضر آراء عبد القاهر الجرجاني وأبي علي الفارسي وابن السراج والأخفش والفراء والكسائي وغيرهم، فلا يعرض الخلاف على صورة مقابلة ثابتة بين البصريين والكوفيين فحسب، بل يتتبع الأقوال الفردية داخل المدرستين ويختار بينها.
ويجعل القسم الرابع للمسائل المشتركة بين الاسم والفعل والحرف، وفي مقدمتها الإمالة والوقف وتخفيف الهمزة والتقاء الساكنين، وما يقاربها من الظواهر الصوتية والتصريفية. فيشرح أسباب الإمالة وموانعها واختلافها باختلاف البنية والحروف المجاورة، ويفصل وجوه الوقف وما يلحق أواخر الكلمات فيه، ثم يعالج تحقيق الهمز وتخفيفه والحذف والنقل والإبدال، ويبحث التقاء الساكنين وما يترتب عليه من حذف أو تحريك، جامعًا بذلك مسائل لا تختص بقسم واحد من أقسام الكلم.
ويعتمد «التخمير» اعتمادًا واسعًا على السماع؛ فتتكرر فيه الآيات القرآنية والقراءات وشواهد الشعر وكلام العرب، ويشرح ألفاظ الشاهد ونسبته ومعناه وموضع الاستدلال به. وقد لا يسلم بالخلاصة التي استخرجها غيره من الشاهد، بل يعيد تخريجه أو يقترح له وجهًا آخر، ويستخدم اختلاف الرواية في تقوية بعض الأوجه أو إضعافها. وإلى جانب السماع يحضر النقل عن كتب النحويين واللغويين حضورًا كثيفًا، ويصرح الخوارزمي أحيانًا بنقله الحرفي، أو يذكر أن ما أورده هو محصول كلام صاحب المصدر.
ولا يقف موقف المتلقي من الزمخشري مع شدة عنايته بكتبه؛ بل يصحح له ألفاظًا، ويستدرك عليه مسائل، ويعترض على بعض أعاريبه وتعليلاته. وتمتد اعتراضاته كذلك إلى المشهور من أقوال النحويين، وقد تأتي عبارته حادة حين يرفض أصلًا أو حجة. وفي المقابل يثبت ما يراه صوابًا، ويشرح مراد الزمخشري إذا كان الاعتراض ناشئًا عن احتمال في عبارته، ويوفق أحيانًا بين أقوال تبدو متعارضة. ولذلك يتجاوز «التخمير» وظيفة حل ألفاظ «المفصل» إلى محاورة الكتاب وأصول الصناعة التي يقوم عليها.
وينتهي «التخمير» بعد استكمال الأقسام الأربعة، وقد أثبت في آخره أن الفراغ من إنشائه كان ضحوة يوم الأحد 17 شعبان سنة 611 هـ. وبذلك يأتي الكتاب شرحًا موسوعيًا لـ«المفصل» يجمع بين تفسير العبارة، وضبط النص، وتحليل الشواهد، وبسط الخلاف النحوي، ومناقشة العلل، وإبراز اختيارات الخوارزمي الخاصة، ويمتد من قضايا التركيب والإعراب إلى الاشتقاق والتصريف وأبنية الكلمات والظواهر الصوتية المشتركة.