يشرح محمد باي بلعالم في هذا الكتاب منظومة «الدرة اليتيمة» في النحو شرحًا تعليميًا يتتبع أبياتها بيتًا بيتًا، فيفسر ألفاظها، ويبين قواعدها، ويفصل ما أوجزه الناظم، ويعرب أمثلتها، ويضيف ما يحتاج إليه فهم المسألة من شروط وأقسام وشواهد وتنبيهات. وقد وضع الشرح استجابة لطلب بعض أصحابه، وذكر أنه حاول التعرف على ناظم «الدرة اليتيمة» فلم يقف عليه، ثم سمى شرحه «التحفة الوسيمة على الدرة اليتيمة». أما المنظومة المشروحة فتقع في 100 بيت، وتجمع جملة من أصول النحو وأبوابه في نظم مختصر.
ويبدأ بشرح مقدمة «الدرة»، فيبين ألفاظها وما ذكره ناظمها من فضل النحو وفائدته في إيضاح المعاني، ثم يعرف النحو لغة واصطلاحًا ويشرح أثر الإعراب في إزالة الاحتمال واللبس من الكلام. ومنذ هذه المقدمة تظهر طريقته في الشرح؛ فهو يورد البيت أو بعضه، ثم يفسر مفرداته، ويشرح المقصود منه، ويمثل للقاعدة، ويعرب المثال إذا احتاج المقام إلى ذلك. وقد يوسع العبارة بمسألة لغوية أو اصطلاحية تتصل بلفظ النظم، كما فعل في معاني «النحو» و«الكلام» و«الإعراب» وغيرها.
ويفتتح أبواب النحو بحد الكلام والكلمة وأقسامها، فيشرح معنى اللفظ والمفيد والقول والمفرد، ويفرق بين الكلام والكلمة، ثم يقسم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف. ويعرض علامات الاسم من التنوين والجر والنداء ودخول «أل» والإسناد، ويفصل أنواع التنوين، ثم يبين علامات الفعل الماضي والمضارع والأمر، وما يتميز به كل واحد منها، ويجعل خلو الحرف من علامات الاسم والفعل علامة عليه. ولا يقف عند حدود أبيات «الدرة» دائمًا، بل يستدرك ما لم يذكره الناظم من العلامات، ويستشهد بأبيات من ألفية ابن مالك و«ملحة الإعراب» ومن نظمه هو لتتميم المسألة.
ثم يعالج أقسام الإعراب وعلاماته، فيشرح الرفع والنصب والجر والجزم واختصاص كل منها بالأسماء أو الأفعال، ويفرق بين الإعراب الظاهر والمقدر. ويفصل تقدير الحركات على المضاف إلى ياء المتكلم والمقصور والمنقوص، وعلى المضارع المعتل الآخر بالألف والواو والياء، وما يظهر من علامات النصب أو يحذف في الجزم. ويبين كذلك البناء وسببه عند مشابهة الاسم للحرف، رابطًا الأحكام بالأمثلة المعربة حتى يتضح موضع العلامة وسبب ظهورها أو تقديرها أو النيابة عنها.
وينتقل إلى إعراب الاسم المفرد وجمع التكسير، ثم يفصل الممنوع من الصرف وعلله، فيعرض العلل التي تمنع الاسم من التنوين والجر بالكسرة، وما يقوم منها مقام علتين، وما يقترن بالوصفية أو العلمية، وأثر الإضافة و«أل» في إعادة الجر بالكسرة. وبعد ذلك يشرح الأسماء الخمسة وشروط إعرابها بالحروف، ثم المثنى وما يلحق به من «اثنان» و«اثنتان» و«كلا» و«كلتا»، فجمع المذكر السالم وملحقاته، وجمع المؤنث السالم وما ألحق به، مبينًا علامات الرفع والنصب والجر في كل نوع.
ويفرد للأفعال الخمسة بابًا يشرح فيه رفعها بثبوت النون ونصبها وجزمها بحذفها، ثم يعرض قسمة الأفعال إلى ماض وأمر ومضارع، ويفصل بناء الماضي بحسب ما يتصل به، وبناء الأمر على ما يجزم به مضارعه، وبناء المضارع عند مباشرته نون التوكيد أو نون النسوة وإعرابه فيما عدا ذلك. وفي هذه المواضع لا يتقيد الشارح بعبارة النظم إذا احتاجت إلى تقييد؛ فقد ينبه إلى أن حكمًا أورده الناظم خرج مخرج الغالب، أو أن صياغة بعينها كانت تحتاج إلى احتراز، ثم يذكر الصورة الأدق للمسألة.
ويتوسع في نواصب المضارع، فيشرح «لن» و«كي» و«إذن» و«أن»، وشروط عمل بعضها، والمواضع التي تضمر فيها «أن» جوازًا أو وجوبًا، ومن ذلك لام التعليل ولام الجحود و«حتى» و«أو» وواو المعية وفاء السببية. ويبين ارتباط نصب المضارع بأنواع الطلب من الأمر والنهي والاستفهام والعرض والتحضيض والتمني والترجي والدعاء والنفي، ثم يفرق بين النصب بعد الفاء أو الواو وبين جزم جواب الطلب عند قصد الجزاء. ويعقب ذلك بالجوازم، فيقسمها إلى ما يجزم فعلًا واحدًا، كـ«لم» و«لما» ولام الأمر و«لا» الطلبية، وما يجزم فعلين من أدوات الشرط، ويشرح فعل الشرط وجوابه ومواضع اقتران الجواب بالفاء.
ثم يبحث النكرة والمعرفة، فيقرر أصل التنكير ويشرح المعارف التي ذكرها الناظم: الضمير، والعلم، واسم الإشارة، والاسم الموصول، والمعرف بـ«أل»، والمضاف إلى معرفة، وينبه إلى زيادة بعض النحويين النكرة المقصودة بالنداء. ويشرح في أثناء ذلك أقسام الضمير وبعض أقسام العلم وأسماء الإشارة، محافظًا على طريقته في توسيع المختصر بما يكشف المقصود من غير تحويل الشرح إلى استقصاء لجميع فروع الباب.
وينتقل إلى مرفوعات الأسماء، فيشرح الفاعل ظاهرًا ومضمرًا وما يؤول بالاسم الصريح، ثم نائب الفاعل وكيفية بناء الفعل معه، فالمبتدأ والخبر وأقسامهما. ويتناول اسم «كان» وأخواتها وخبر «إن» وأخواتها، ثم التوابع الأربعة: التوكيد والنعت والبدل والعطف، ويبين أن التابع يأخذ حكم متبوعه في الإعراب. ويكثر هنا من استدراك ما أجمله الناظم؛ فإذا اقتصر البيت على صورة واحدة ذكر بقية الأقسام أو أحال إلى ما بسطه في مصنفاته الأخرى.
ويجمع بعد ذلك أهم منصوبات الأسماء، فيبدأ بالمفعول به، ثم المصدر أو المفعول المطلق وما ينوب عنه، وظرفي الزمان والمكان، والحال والتمييز والاستثناء والمنادى. ويشرح شروط كل باب وما تتفرع عنه من أحكام؛ فيفرق في الاستثناء بين الكلام التام الموجب والتام المنفي، ويبين أحوال المنادى المضاف والشبيه بالمضاف والنكرة غير المقصودة، ثم يعرض المفعول لأجله وشروط نصبه، والمفعول معه، ومفعولي «ظن» وأخواتها، وخبر «كان» وأخواتها، واسم «إن» وأخواتها واسم «لا» العاملة عملها.
ويفرد بابين لعمل اسم الفاعل والمصدر؛ فيبين أن اسم الفاعل يعمل عمل فعله بشروطه، فيرفع الفاعل وينصب المفعول أو المفعولين بحسب تعدي فعله، ويفرق بين عمل المجرد من «أل» والمقترن بها. ثم يشرح عمل المصدر عمل فعله فيرفع فاعله وينصب معموله، ويذكر أحواله مع الإضافة والتنوين. وتظهر في هذين البابين عناية الشارح بربط القاعدة المختصرة بشروط العمل التي لا يتسع لها نظم «الدرة».
ويختم أبواب المنظومة بالجر، فيشرح الجر بالحروف والإضافة والتبعية، ويعرض أشهر حروف الجر وما تدل عليه من معانٍ، كابتداء الغاية والملك والاستعلاء والظرفية والمجاوزة والتشبيه والانتهاء والقسم. ثم يبين الإضافة التي تكون على معنى اللام، أو «من» لبيان الجنس، أو «في» عندما يكون المضاف إليه ظرفًا للمضاف. وعند هذا الموضع تنتهي المسائل النحوية في «الدرة»، وتأتي أبياتها الختامية بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه.
ويتميز الشرح بكثرة الأمثلة والإعراب التطبيقي، والاستشهاد بالقرآن الكريم والقراءات والشعر، مع الاستعانة بمتون النحو وشروحه؛ فيتكرر النقل عن ألفية ابن مالك و«الآجرومية» و«ملحة الإعراب»، كما يحيل محمد باي بلعالم إلى مصنفاته مثل «اللؤلؤ المنظوم» و«كفاية المنهوم» و«الرحيق المحتوم». وقد يستدرك على نظم «الدرة» ما أغفله، أو يقترح وجهًا أدق في مثال من أمثلتها، أو ينبه إلى أن المسألة أوسع مما يتسع له المختصر ويحيل في تفصيلها إلى المطولات. وينتهي الكتاب ببيان أن أبيات «الدرة اليتيمة» 100 بيت، ثم يذكر الشارح فراغه من تبييض شرحه ضحى يوم الاثنين 13 جمادى الأولى سنة 1413 هـ.