يجمع أبو البركات الأنباري في «البلغة في الفرق بين المذكر والمؤنث» جملة من القواعد والألفاظ التي يُعرف بها تذكير الأسماء وتأنيثها، قاصدًا إلى وضع مختصر يُرجع إليه في هذا الباب من العربية. ويبدأ بتقرير الأصل العام في المسألة، وهو أن المذكر أصل للمؤنث، ثم يفرق بين المذكر والمؤنث من جهة العلامة والحقيقة، قبل أن ينتقل إلى الأسماء التي لا تظهر عليها علامة التأنيث، فيكشف جنسها اللغوي بالسماع والشواهد والاستعمال.
ويقسم المذكر إلى حقيقي وغير حقيقي؛ فالحقيقي ما دل على ذكر من الحيوان، وغير الحقيقي ما كان مذكرًا في اللفظ والاستعمال من غير أن تكون فيه حقيقة الذكورة، كالجدار والعمل. ويقابل ذلك بالمؤنث الحقيقي وغير الحقيقي، ثم يقسم المؤنث من جهة العلامة إلى مقيس وغير مقيس؛ فالمقيس ما ظهرت فيه علامة التأنيث، ويجعل علاماته الألف المقصورة، كـ«حبلى»، والألف الممدودة، كـ«حمراء»، والتاء، كـ«ضاربة». أما غير المقيس فهو ما ثبت تأنيثه من غير علامة ظاهرة، وهو القسم الذي يشغل معظم مادة الكتاب.
ويستقصي في هذا القسم أسماء كثيرة ثبت تأنيثها بالسماع، فيبدأ بالسماء والأرض والشمس والنفس والأذن والساق والقدم والطير والبئر والعِير والعصا والكأس والعنكبوت والنمل، ويستدل على أحكامها بالقرآن الكريم والشعر والحديث وكلام العرب. ولا يقتصر على إثبات أن اللفظ مؤنث، بل يبين ما قد يعرض له من تذكير بسبب كون التأنيث غير حقيقي، أو بسبب الحمل على المعنى، أو ما يجيء منه في الشعر على وجه لا يصلح أن يكون دليلًا على أصل التذكير.
ويفرد عناية للألفاظ التي يجوز فيها الوجهان، فيذكر مثل «السبيل» و«الطاغوت» و«الأنعام» وما ورد فيها من التذكير والتأنيث، ثم يتتبع ألفاظًا أخرى يختلف حكمها بين اللغويين أو يغلب فيها أحد الوجهين، مثل العاتق والقفا والإبط والعنق والذود والنَّعَم والدلو والقليب والذنوب والسلم والمنون والسلطان والحال والطريق والصاع والسلاح والسكين والسوق. وقد يذكر أن التأنيث أكثر، أو أن التذكير أعلى، أو ينقل إنكار أحد أئمة اللغة لأحد الوجهين، بما يحفظ ما في الاستعمال العربي من اختلاف ولا يحمله على حكم واحد.
ويجمع طائفة واسعة من أسماء أعضاء الإنسان وما يتصل بها، فيبين تأنيث الكف والذراع والكبد واليد والرجل والعين واليمين والشمال والفخذ والورك والكرش والعجز والضلع والباع والعضد والكتف والكراع، ويعرض إلى جانبها ما يذكر ويؤنث. وفي بعض هذه الألفاظ يفسر مخالفة الظاهر بالحمل على المعنى؛ فقد يوصف الاسم المؤنث بوصف مذكر إذا أريد به معنى مذكر كـ«عضو»، أو يحمل وصف الشخص على غير الاسم الذي يجاوره، فيفرق بذلك بين جنس اللفظ وبين المعنى الذي استعمل فيه.
ويتناول كذلك أسماء الحيوان وأجناسه، فيذكر الإبل والقلوص والعنس والجزور والناب والذود والغنم والضأن والمعز والعنز والعناق والأفعى والأروى والأرنب والضبع والعقرب والعقاب وغيرها، ويبين ما كان منها مؤنثًا، وما جاز فيه التذكير والتأنيث، وما يطلق على الذكر والأنثى معًا، مثل «البعير» و«الفرس» و«الدجاج». ويظهر من هذا أن غرضه لا يقتصر على العلامات الصرفية، بل يمتد إلى ضبط جنس الألفاظ التي لا يستدل على حكمها بمجرد صورتها.
ثم يعرض أسماء أشياء ومعانٍ لا تحمل علامة ظاهرة للتأنيث، مثل الحرب والدار والرحى والقدر والفأس والقدوم والنعل والطاس والقوس والضحى والسُّرى والنوى والعروض، إلى جانب أسماء المواضع والأعلام مثل «أجأ» و«كحل» و«كبكب» و«شعوب». ويبين ما يترتب على التأنيث في بعض هذه الأسماء من منع الصرف، وقد يستشهد بالشعر على استعمالها، أو ينبه إلى أن صرف ما حقه المنع إنما وقع لضرورة شعرية.
ويعتني أيضًا بالألفاظ التي يتغير تذكيرها وتأنيثها بتغير معناها؛ فـ«دِرع» الحديد مؤنثة، أما دِرع المرأة بمعنى قميصها فمذكر، و«اللبوس» مذكر إذا أريد به السلاح ومؤنث إذا أريد به درع الحديد، و«اللسان» مذكر إذا أريد العضو، ويجوز فيه التأنيث إذا أريد اللغة. وبهذا يكشف أن الحكم قد يتعلق بالمعنى المراد من اللفظ، لا بصورته وحدها.
ويتوسع بعد ذلك في أسماء الأجناس التي تدخل التاء في واحدها للفرق بين الواحد والجنس، مثل النخل والنخلة، والتمر والتمرة، والشجر والشجرة، والثمر والثمرة، والبقر والبقرة، والشعير والشعيرة، فيقرر جواز التذكير والتأنيث فيها. ثم ينتقل إلى صفات المؤنث التي تجيء بغير علامة التأنيث، فيذكر أمثلة من نحو «امرأة خَوْد» و«صبور» و«شكور» و«قتيل» و«حائض» و«حامل» و«طالق» و«مرضع» و«قاعد»، منبهًا إلى أن العربية لا تلزم في كل وصف للمؤنث إظهار علامة التأنيث.
ويختم الكتاب بأحكام تصغير المؤنث، فيفرق بين ما ظهرت فيه علامة التأنيث وما خلا منها. فما كانت فيه العلامة بقيت في تصغيره، مثل «شجرة» و«شجيرة». أما المؤنث الثلاثي الخالي من العلامة فتُلحق التاء بمصغره في الأصل، مثل «دار» و«دويرة»، و«نار» و«نويرة»، و«قدر» و«قديرة»، مع ذكر ألفاظ خرجت عن هذا القياس كالقوس والفرس والحرب ودرع الحديد والناب، ويفسر وجه خروجها بالحمل على معنى مذكر أو مراعاة أصل آخر. وإذا زاد الاسم المؤنث الخالي من العلامة على 3 أحرف لم تلحق التاء بمصغره في الأصل، مثل «عناق» و«عنيق» و«عقاب» و«عقيب» و«عقرب» و«عقيرب»، ثم يذكر ألفاظًا معدودة ألحقت بها التاء على خلاف الأصل ويبين تعليل ذلك.
وبذلك يأتي «البلغة في الفرق بين المذكر والمؤنث» مختصرًا يجمع بين تأصيل قواعد التذكير والتأنيث وحفظ الألفاظ المسموعة التي لا تكشف صورتها عن جنسها، مع بيان ما يجوز فيه الوجهان، وما يتغير حكمه بتغير المعنى، وما يترتب على التأنيث في الوصف والتصغير ومنع الصرف. وتقوم مادته على كثرة الأمثلة والشواهد، فيغدو الكتاب مرجعًا عمليًا لضبط جنس الأسماء في الاستعمال العربي، لا مجرد بيان لعلامات التأنيث الظاهرة.