يبحث ابن هشام الأنصاري في «اعتراض الشرط على الشرط» مسألة نحوية دقيقة تتعلق بتوالي شرطين أو أكثر على جواب واحد، ويبدأ بتحرير صورتها قبل الخوض في أحكامها؛ لما وقع فيها من الالتباس عند جماعة من النحاة والمفسرين. ويقرر أن توارد شرطين على جواب واحد جائز في اللفظ على الأصح، وأن الاعتراض لا يختص بشرطين، بل قد يتتابع أكثر منهما. ثم يميز الصورة التي يصح أن تسمى «اعتراض الشرط على الشرط» من صور أخرى تشبهها وليست منها، ليقيم البحث منذ بدايته على تحديد محل النزاع وضبط حدوده.
ويستبعد خمس صور من حقيقة الاعتراض؛ منها أن يقترن الشرط الأول بجوابه ثم يأتي بعده شرط آخر، أو أن يكون الشرط الثاني مع جوابه جوابًا للأول مقترنًا بالفاء لفظًا أو تقديرًا، أو أن يعطف شرط على فعل شرط قبله، أو أن يكون جواب الشرطين محذوفًا. ويناقش في أثناء ذلك آيات استدل بها بعض النحاة على اعتراض الشرط على الشرط، فيبين أن تركيبها لا يدخل في المسألة التي يبحثها، ويعيد توجيهها بحسب ما تقتضيه صناعة النحو من تقدير الجواب أو الفاء أو ترتيب أجزاء الجملة. وبذلك ينتهي إلى أن الصورة المقصودة هي نحو قول القائل: «إن ركبت إن لبست فأنت طالق»، حيث يتقدم شرطان ولا يظهر بعدهما إلا جواب واحد.
ثم يعرض الخلاف في أصل جواز هذا التركيب، فيذكر أن بعضهم منعه، وأن الجمهور أجازه، ويستدل للجواز بمواضع من القرآن الكريم وكلام العرب والشعر، من أوضحها اجتماع «لولا» و«لو» قبل جواب واحد في قوله تعالى الذي انتهى إلى «لعذبنا»، وما ورد في الشعر من نحو: «إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا»، فضلًا عن استعمال ابن دريد لهذا الأسلوب في مقصورته. وبعد إثبات أصل الجواز ينتقل إلى السؤال الأهم: بماذا يقع مضمون الجواب إذا توارد الشرطان، وما العلاقة بين ترتيب الشرطين في اللفظ وترتيب وقوعهما في الخارج؟
ويعرض في ذلك ثلاثة مذاهب. فأولها مذهب جمهور النحويين والفقهاء، وهو أن حصول الجواب يتوقف على وقوع الشرطين جميعًا، مع تقدم وقوع الشرط الثاني المذكور في الكلام على وقوع الشرط الأول؛ فإذا قيل: «إن ركبت إن لبست فأنت طالق»، لم يقع الطلاق بمجرد الركوب أو اللبس منفردًا، وإنما يقع إذا حصل اللبس أولًا ثم الركوب. ويفسر الجمهور ذلك بأن الجواب المذكور جواب للشرط الأول، أما الشرط الثاني فجوابه محذوف لدلالة الشرط الأول وجوابه عليه؛ فكأن التقدير: إن لبست، فإن ركبت فأنت طالق. ويؤيد ابن هشام هذا التخريج بأن القاعدة عند اجتماع شيئين يطلب كل منهما جوابًا أن يجعل الجواب المذكور للسابق، ويحذف جواب الثاني لدلالة ما قبله عليه، ويربط بذلك ضرورة تقدم مضمون الشرط الثاني في الوقوع؛ لأنه بمنزلة الشرط الذي يترتب عليه مجموع الشرط الأول وجوابه.
ويناقش بعد ذلك تخريج ابن مالك، الذي يجعل الجواب المذكور للشرط الأول أيضًا، لكنه لا يقدر للشرط الثاني جوابًا محذوفًا، بل يجعله مقيدًا للأول واقعًا موقع الحال؛ فيكون معنى «إن ركبت إن لبست فأنت طالق»: إن ركبت لابسة فأنت طالق. ويرد ابن هشام هذا التخريج من وجوه، منها أن جعل الشرط بلا جواب يخالف القياس، وأن هذا التأويل لا يستقيم إذا كان الفعلان متضادين أو متعذر اجتماعهما، كقول القائل: «إن قمت إن قعدت»، كما يناقش ما بين معنى الشرط المستقبل ومعنى الحال من تباعد. ثم يستدرك بتمييز الحال المقارنة من الحال المقدرة المنتظرة، ويقبل من هذه الجهة إمكان اتصال الحال بمعنى الاستقبال، لكنه يبقي الاعتراضات الأخرى على تخريج ابن مالك قائمة.
ويعرض مذهبًا ثانيًا نُقل عن إمام الحرمين وغيره، يجعل الحكم متعلقًا بمجرد حصول الشرطين من غير اعتبار لترتيب وقوعهما، سواء وقعا على ترتيب ذكرهما أو بعكسه أو مجتمعين. ويفصل ابن هشام في إبطاله، فيناقش الاحتمالات الممكنة لتعلق الجواب بالشرطين: أهو جواب لمجموعهما، أم للأول، أم للثاني، ويبين ما يلزم كل احتمال من تقدير فاء أو واو أو حذف جواب على خلاف مألوف العربية. ثم يرجع إلى ما ثبت من استعمال العرب، فيقرر أن كلامهم في اعتراض الشرط على الشرط يدل على تعليق الحكم بمجموع الأمرين مع تقدم وقوع الشرط المتأخر في اللفظ وتأخر وقوع الشرط المتقدم فيه.
أما المذهب الثالث فيجعل الجواب المذكور للشرط الثاني، ويجعل الشرط الثاني مع جوابه جوابًا للشرط الأول؛ فيترتب الحكم حينئذ على وقوع الشرط الأول أولًا ثم الثاني، مراعاةً لترتيب الألفاظ وإعطاء الجواب لأقرب الشرطين إليه. ويرد ابن هشام هذا المذهب لأن جعْل الشرط الثاني جوابًا للأول يقتضي تقدير الفاء، وحذفها لا يحمل عليه الكلام الفصيح، ولأن القاعدة في اجتماع ما يطلب الجواب أن يكون الجواب للسابق، ولأن هذا التخريج لا يستقيم مع الشواهد التي يتقدم فيها مضمون الشرط الثاني في الوقوع على مضمون الأول.
ويمتد البحث أخيرًا إلى توارد أكثر من شرطين، فيمثل له بقوله: «إن أعطيتك إن وعدتك إن سألتني فعبدي حر»، ويطبق عليه الأصل نفسه؛ فلا يقع الحكم إلا إذا وقع السؤال أولًا، ثم الوعد، ثم العطاء. ويفسر ذلك بأن الجواب المذكور متعلق بالشرط الأول، وأن مجموع الشرط الأول وجوابه يدل على جواب الشرط الثاني، ثم يدل الجميع على جواب الشرط الثالث، فكأن التركيب مرتب في المعنى على عكس ترتيبه اللفظي. ويختم ابن هشام بتقرير أن هذا هو القول الصحيح عنده، مع بيان ضعف تخريج ابن مالك في هذه الصورة أيضًا. وبذلك يقوم الكتاب على تحرير مفهوم اعتراض الشرط على الشرط، وتمييزه من التراكيب المشتبهة به، وإثبات جوازه، ثم تحليل مذاهب النحويين والفقهاء في توجيهه، وربط البناء النحوي بما يترتب عليه من اختلاف المعنى والحكم بحسب ترتيب الشروط.