يستدرك محمد علي بن محمد علان الصديقي في «إتحاف الفاضل بالفعل المبني لغير الفاعل» ما فاته كتاب «المنهل المأهول في الفعل المبني للمجهول» لخير الدين ابن ظهيرة، وهو كتاب جمع طائفة من الأفعال التي تستعملها العرب مبنية لغير الفاعل. وقد وجد ابن علان أن الأصل، مع فائدته وتفرده بموضوعه، ترك عددًا كبيرًا من هذه الأفعال، فعمد إلى تتميمه واستيعاب قدر أكبر من مواده، وجمع ما في الأصل وما زاده عليه في مصنف واحد، وجعل على زياداته علامة الميم لتمييزها. واستمد أكثر تلك الزيادات من كتابَي «الأفعال» لأبي مروان عبد الملك بن طريف الأندلسي وابن القوطية، وأعاد ترتيب المواد ليقرب تناولها، فجعل كل لفظ في الحرف الذي يبدأ به في صورته المستعملة، سواء أكان ذلك الحرف من أصل الكلمة أم من حروف الزيادة.
ويمهد ابن علان لمعجمه بمقدمة صرفية موجزة في حقيقة بناء الفعل للمفعول، فيقرر أن صيغة المبني للمفعول مغيرة عن صيغة المبني للفاعل، وأن صيغة الفاعل أصل لها، ويناقش القول المقابل الذي يجعل كل واحدة من الصيغتين أصلًا مستقلًا، وما استند إليه أصحابه من وجود أفعال لازمت البناء للمفعول، مثل «زُهي» و«زُكم» و«حُمّ» و«جُنّ». ويجيب عن هذا الاستدلال بأن العرب قد تستعمل الفرع مع إهمال أصله، كما استعملت مصغرات لم ينطق بمكبراتها وجموعًا لم تستعمل لها مفردات على الأصول المقدرة، وبذلك يضع أساسًا صرفيًا للظاهرة التي أفرد الكتاب لجمع شواهدها.
ويتابع بعد المقدمة الأفعال على حروف المعجم من الهمزة إلى الياء، فيورد كل فعل بصورته المبنية لغير الفاعل، ويضبط حروفه وحركاته بعبارات أهل اللغة، ويبين معناه وما يتصل به من مصدر أو اسم مفعول أو صفة، وينبه إلى ما يشاركه في المعنى من بناء آخر. ولهذا تكثر في الكتاب عبارات من نحو «كعني» و«كفرح» و«كعلم» ونحوها، للدلالة المختصرة على وزن الفعل وضبطه، كما يصرح أحيانًا بكون اللفظ لا يستعمل إلا على هذه الصيغة، أو بأن البناء للفاعل ورد معه أيضًا، أو بأن إحدى اللغتين أشهر أو أضعف. ومن أمثلته حديثه عن «زُهي الرجل» بمعنى تكبر وتاه، ونقله أن للعرب ألفاظًا لا يتكلمون بها إلا على صورة المفعول مع كون معناها قائمًا بمن أُسندت إليه، وذكره «سُقط في يده» مما يستعمل مبنيًا لغير الفاعل للدلالة على الندم والحيرة.
ولا يقتصر ابن علان على جمع الأفعال وشرح معانيها، بل يقابل الروايات اللغوية بعضها ببعض، ويرجع إلى كتب اللغة لتثبيت البناء والضبط أو الاعتراض عليه، فينقل عن «الصحاح» و«القاموس» و«المصباح المنير» و«الفصيح» وغيرها، إلى جانب ابن طريف وابن القوطية. فإذا وجد اللفظ منقولًا في بعض المصادر على وجه يخالف ما في غيرها، ذكر الخلاف وحاول تحرير الصواب، وقد ينبه إلى احتمال التصحيف إذا لم يجد للفظ أصلًا يؤيده في المعاجم التي راجعها. ومن ذلك مناقشته بعض الألفاظ التي أوردها الدميري في منظومته ضمن المبني للمجهول مع أنه لم يجدها كذلك في المصادر التي وقف عليها، وموازنته بين اللغات المختلفة في الكلمة الواحدة، وبيانه ما إذا كان اختلاف الضبط يؤدي إلى اختلاف البناء أو المعنى.
ويستعين في شرح المواد بالشواهد التي تكشف استعمال العرب للفعل، فيورد الآيات والأحاديث والأشعار والأمثال عند الحاجة، ويشرح أحيانًا اللفظ الغريب المتصل بالفعل أو المرض أو الريح أو المطر أو أحوال الإنسان والحيوان والنبات، حتى يتبين المقصود من البناء لا مجرد حركته الصرفية. كما يستدرك على بعض النقول، ويجمع بين عبارتي مصدرين إذا اختلفتا، ويفرق بين استعمال المبني للفاعل والمبني لغير الفاعل حين تتشابه الصورتان أو يتقارب معناهما، وقد يرجح أحد الاحتمالات أو يصرح بالحاجة إلى مزيد تحرير إذا لم يتضح له وجه النقل. ومن ثم يضم الكتاب إلى مادته الصرفية قدرًا واسعًا من المادة المعجمية، إذ يرتبط إثبات كل فعل بتحديد دلالته وضبط حروفه وبيان ما اشتق منه وما قيل فيه من لغات.
ويمضي ترتيب الأفعال حرفًا حرفًا حتى يختم حرف الياء بألفاظ منها «يُدي» و«يُرق» و«يُسر» و«يُمن»، ويلفت عند مادة «يُمن» إلى موافقة ختام كتابه وختام أصله بلفظ مشتق من اليُمن، مستحسنًا ما فيه من الفأل. ثم يعقد خاتمة في مقصدين يكمل بهما الجانب التطبيقي للكتاب؛ فيخصص الأول لطريقة الأمر من هذه الأفعال، ناقلًا عن ثعلب أن الأمر منها يكون بإدخال اللام على المضارع، مثل «لِتُعن بحاجتي»، ويعلل ذلك بأن صياغة الأمر مباشرة قد توقع في اللبس بين إرادة الفعل من المخاطب وبين طلب حصول الفعل عليه من غير تعيين فاعله. وينظم هذه القاعدة في أبيات لتقريبها وحفظها.
ويجعل المقصد الثاني لجمع المنظومات التي حوت طائفة من هذه الأفعال، فيورد منظومة كمال الدين الدميري التي ضمنها عددًا من الألفاظ المبنية لغير الفاعل، مثل «نُفست» و«طُلقت» و«نُتجت» و«عُقمت» و«شُغل» و«سُقط في يديه» و«أُغمي» و«أُولع» وغيرها، ثم يتبعها بما نظمه عبد الرحمن بن المرحل من الأفعال الواردة في «فصيح» ثعلب، ويشرح أثناء إيرادها بعض المعاني والفروق، ويختمها بقاعدة الأمر باللام. وبذلك يجمع الكتاب بين استدراك مادة «المنهل المأهول» وتوسيعها، وترتيب الأفعال المبنية لغير الفاعل في صورة معجمية، وضبط أبنيتها ومعانيها ولغاتها وشواهدها، ومناقشة ما اختلفت فيه المصادر، ثم إلحاق القواعد والمنظومات التي تجمع أهم ألفاظ هذا الباب وتسهل استحضارها.