يرصد بدر الدين الغزي في كتابه «آداب المواكلة» 81 عيبًا قد يقع فيها المضيف أو الضيف أو أحد الجالسين إلى الطعام، ويجعل معرفتها طريقًا إلى اجتنابها وحسن المؤاكلة. وقد اختار لهذه العيوب أسماءً موجزة لافتة، ثم عرّف كل واحد منها وبيّن صورته وما يترتب عليه من أذى أو حرج، واستعان بالحكايات والنوادر والأشعار والأمثال لتثبيت المعنى وتقريبه.
ويبدأ بما يسبق تناول الطعام أو يقع في أول المجلس؛ فيذكر «الحكّاك» الذي يمس شعره أو بدنه بعد غسل يده وقبل الأكل، و«الزاحف» الذي يبادر إلى المائدة قبل الجماعة واكتمال إعدادها، و«المجوِّع» من أصحاب البيوت الذي يؤخر الطعام انتظارًا لتكثير أصنافه حتى يضر بضيوفه، و«المتثاقل» الذي يقبل الدعوة ثم يتأخر فيحبس الطعام ويؤذي الداعي والحاضرين. ومن خلال هذه الصور يجعل مراعاة الوقت وراحة المؤاكلين مقدمةً للأدب قبل أن تبدأ اليد في الطعام.
ثم ينتقل إلى هيئة الأكل نفسها، فيعيب ابتلاع الطعام قبل تمام مضغه، وأكل اللقمة الحارة على وجه يضطر صاحبها إلى إخراجها أو شرب الماء عليها، والكلام والفم ممتلئ، وإحداث الأصوات عند المضغ والبلع، ودفع اللقمة بالإصبع إلى الفم، ولعق الأصابع أثناء الأكل ثم إعادتها إلى الطعام المشترك. ويجمع تحت هذه الأسماء تفاصيل صغيرة قد تبدو هينة، لكنها عند اجتماع الناس تمس النظافة وراحة الجليس وحسن الهيئة.
ويولي عناية خاصة لما ينفّر المؤاكلين؛ فيذم من يملأ لحيته وشاربه بالدسم، أو يكثر التنحنح والتمخط والبصق عند الطعام، ومن يحدث الجلساء بأخبار القيء والدمامل والمرض ونحوها مما تقشعر منه النفوس. وينهى كذلك عن عيب الطعام والتنبيه إلى نقص ملحه أو حموضته أو احتراقه، وعن التعريض أمام المضيف بطعام آخر لم يقدمه، لما في ذلك من إحراجه أو حمله على تكلف ما ليس عنده.
وتتكرر في الكتاب محاربة الشَّرَه والاستئثار؛ فيصف «النَّهِم» الذي تتوالى لقماته ولا يكاد يفرغ، و«المسابق» الذي يهيئ لقمة في يده قبل الفراغ من التي في فمه، و«الصامت» الذي ينقطع عن كل شيء وينكب على الطعام، و«المخرب» الذي يلتقط أطايب اللحم ولا يلتفت إلى من حوله. كما يذم من يأكل من جهة غيره، أو يراقب لقم الحاضرين، أو يختلس اللحم ويخفيه في الطعام، أو لا يقصد إلا أغلى ما على المائدة.
ويقابل ذلك بحقوق الجليس في المشاركة؛ فالأدب أن يراعي المرء من بجواره، ويؤثره بشيء من الطيب، ويعرض عليه الشراب، ولا يستبد بالملعقة أو بما يشترك الحاضرون في استعماله. ويذم «المستأثر» من أصحاب المنازل الذي يدعو غيره إلى الطعام ثم يغلبه النهم فيختار لنفسه الأطايب، ويستشهد في مقابله بأخبار وأشعار تمدح من لا يستطيب الطعام وحده، وتجعل إكرام الرفيق وحسن الوجه من تمام القِرى.
ويكشف الغزي صورًا أخرى من الفضول والتصرف في الطعام المشترك؛ فيعيب من يقوم لتصفيف الصحاف وتقديم بعضها وتأخير بعضها ليتحرى الأطايب، ومن يمزق الخروف أو يكسر الخبز أو يضيف الملح والخل ونحوهما إلى الطعام من غير إذن، فيفسده على من لا يرغب في ذلك. ويقرر أن حدود المرء أن يصلح ما يخصه، وألا يتصرف في الطعام المشترك على نحو يلزم سائر المؤاكلين بذوقه ورغبته.
ويفرد «الطفيلي» الذي يحضر الدعوة من غير إذن بحديث أطول، ويصرح بتحريم التطفل، ثم يسوق شيئًا من نوادر الطفيليين واصطلاحاتهم وحيلهم في الدخول إلى الولائم. ولا تأتي هذه الحكايات لإقرار فعلهم، بل في سياق تصوير الظاهرة وما اشتهر عن أصحابها من شدة التعلق بالطعام والاحتيال للوصول إليه.
وتشمل العيوب كذلك نظرات العين وحركات الجسد؛ فيعيب من يمد يده إلى الصحفة البعيدة، ومن يطيل النظر إلى ما بين يدي غيره، ومن يتتبع بعينيه لقم الحاضرين، ومن يكثر الالتفات إلى جهة المطبخ مترقبًا لونًا جديدًا، ومن يثب ويتحرك عند كل لقمة، أو يمد رقبته فوق المائدة خشية أن يصيب ثوبه شيء من المرق. فحسن المؤاكلة عنده هيئة كاملة تشترك فيها اليد والعين والفم وطريقة الجلوس.
ولا يختص النقد بالضيف، بل ينال رب المنزل نصيبًا كبيرًا؛ فيعيب من يقدم القليل مع وجود ما يسع ضيوفه، ومن يؤخر الطعام الجيد حتى يشبعوا بما هو دونه توفيرًا له، ومن يشغلهم بحديث متصل يحتاج إلى جواب فيصدهم عن الأكل، ومن يخاصم خدمه أو يهددهم ويضربهم أمام ضيوفه، ومن يشكو الغلاء وضيق الحال ساعة تقديم الطعام فيكدر على ضيفه ما يأكله.
ومن دقائق أدب الضيافة عنده ألا يسأل المضيف ضيفه هل يريد الطعام إذا كان محتاجًا إليه؛ لأن الحياء قد يحمله على الرفض مع شدة الجوع، بل يقدم له ما تيسر من غير إحراج. كما ينبه إلى إعداد الماء قبل الطعام خشية أن يغص أحد الجالسين، وإلى أن المضيف لا ينبغي أن يظهر من سلوكه ما يوهم ضيفه بأنه قد حان وقت الكف عن الأكل، ومن ذلك ما يذكره في رفع الصوت بالحمد في أثناء الطعام إذا فهم منه الحاضرون الإشارة إلى الانتهاء.
ويضم الغزي إلى آداب المجلس ملاحظات تتصل بصحة الآكل وعاداته؛ فينهى عن ابتلاع الطعام قبل جودة مضغه، ويذكر ما قد يترتب على ذلك من مشقة الهضم والغصص، ويحذر من تناول الماء شديد البرودة عقب الطعام الحار أو الحلوى، ومن بعض طرائق الأكل التي عدها مضرة بالبدن أو الأسنان. وهذه الملاحظات تأتي جزءًا من ثقافة المؤاكلة والصحة في الكتاب، إلى جانب العناية بالنظافة وحفظ الهيئة.
ويمتزج التعليم في الرسالة بروح ساخرة ظاهرة؛ فالأسماء مثل «المشنع»، و«الجراف»، و«الفضولي»، و«حاطب ليل»، و«البحاث»، و«الممتحن»، و«المحتال»، و«المختلس» ترسم العيب قبل شرحه، ثم تأتي الحكاية أو البيت الشعري لتجسده في موقف يسهل تذكره. ولذلك لا يسير الغزي بطريقة الوعظ المجرد، بل يجعل سوء التصرف مشهدًا محسوسًا يرى القارئ فيه أثره على الطعام والجلساء والمضيف.
ويختم بعد استيفاء ما حضره من هذه المعايب بالتنبيه إلى أن العاقل يجتنبها ما استطاع. فالكتاب في جوهره ليس قائمةً بما ينبغي فعله بقدر ما هو مرآة للأفعال التي تفسد المائدة وتثقّل الصحبة: الشره، والاستئثار، والفضول، والقذارة، وإحراج المضيف أو الضيف، والتكلف، وسوء النظر والكلام والحركة. ومن اجتماع هذه الجزئيات تتحدد صورة المؤاكلة الحسنة في مقابلها: نظافة، واعتدال، ومشاركة، ومراعاة، وترك لما يؤذي العين أو النفس أو الخاطر.