
نبذة عن الكتاب:
يتناول ابن الجوزي في هذا الكتاب قوة الحفظ واستدامته بوصفهما من أهم وسائل التحصيل العلمي، وقد صنف رسالته حين رأى الكسل مستوليًا على بعض المشتغلين بالعلم، يكرر أحدهم درسه مرات قليلة ثم ينساه عند الحاجة إليه، فجاء الكتاب تحريضًا على الاجتهاد ومحاربةً لهذا التفريط. وينظم مادته في 7 أبواب متدرجة تبدأ بالحث على حفظ العلم، ثم صفات من يراه متهيئًا للحفظ، والأدوية المعينة عليه، وطريقة إحكام المحفوظ، وأوقات تكراره، وترتيب العلوم التي ينبغي تقديمها، وتنتهي بأعلام الحفاظ المبرزين. وفي الباب الأول يقرر أن منزلة العالم ترتفع بمقدار ما يحصله من العلم، وأن المعرفة التي تبقى في الكتب ولا يستحضرها صاحبها عند الحاجة لا تحقق الغرض من الحفظ، ويستشهد بالأخبار والأشعار التي تجعل العلم الحقيقي ما وعاه الصدر، مع المقارنة بين من حفظ بعض القرآن أو الحديث ومن استوعب منه قدرًا أكبر. ثم يتناول استعداد الإنسان للحفظ، فيورد تصورات كانت متداولة في عصره عن علاقة هيئة البدن والمزاج بقوة الذهن والذاكرة، قبل أن ينتقل إلى معنى أكثر اتصالًا بالتربية، وهو أن الحفظ ينبغي أن يبدأ في الصغر، وأن الطفل يعوَّد النظافة والآداب ويؤخذ بحفظ العلم مبكرًا لأن ما يثبت في الصغر يكون أشد رسوخًا، مع تفاوت الأطفال في قوة الهمة والاستعداد وحاجتهم إلى التحفيز. ويخصص الباب الثالث لما نقله من آراء طبية وتجارب ووصفات كان يُظن أنها تقوي الذاكرة أو تسبب النسيان، فيذكر أثر المزاج وبعض الأطعمة والأحوال، ثم يورد عن السابقين استعمال العسل والزبيب واللبان والرمان وغيرها، ويذكر تراكيب علاجية مختلفة؛ وهي مادة ينقلها الكتاب ضمن التصورات الطبية في زمنه، لا بوصفها توصيات طبية حديثة. أما قاعدة الكتاب العملية الأوضح فتظهر في الباب الرابع: «طريق إحكامه كثرة الإعادة»، فالحفظ عند ابن الجوزي لا يتم بمجرد التقاط النص أول مرة، وإنما بتكراره بعد حفظه حتى يرسخ، ويضرب لذلك أمثلة بأبي إسحاق الشيرازي الذي كان يعيد درسه 100 مرة، وبمن كان يعيد 70 أو 50 مرة، ثم يروي قصة الفقيه الذي حفظت عجوز في بيته درسه من كثرة سماع تكراره، لكنها نسيته بعد أيام بينما بقي ثابتًا عنده بسبب استمرار المراجعة. ويتبع ذلك بتحديد الظروف المناسبة للحفظ؛ فيدعو إلى اختيار وقت اجتماع الهم وصفاء القلب، وحفظ مقدار قليل يمكن تثبيته بدل الاستكثار الذي لا يستقر، ويمدح السحر والبكور ونصف الليل، ويحذر من المواضع التي تشتت النظر والقلب، ويرى أن إراحة النفس يومًا أو يومين قد تعين على استقرار المحفوظ.
وفي الباب السادس يتحول ابن الجوزي من سؤال «كيف نحفظ؟» إلى «ماذا نحفظ أولًا؟»، فيرتب الأولويات ابتداءً بمقدمة في الاعتقاد ومعرفة الواجبات، ثم القرآن الكريم، فالحديث، مع قدر من النحو يقوم به اللسان، ويمنح الفقه منزلة مركزية لأنه العلم الذي تظهر ثمرته عند النوازل والأسئلة العملية؛ ولهذا ينتقد من يستغرق عمره في جزئيات اللغة أو شواذ القراءات أو طرق الحديث حتى يفوته ما هو ألزم، ويقرر أن العلوم كلها محمودة في أصلها لكن قصر العمر يوجب تقديم المهم والأفضل، مستدلًا بقصص محدثين كثرت محفوظاتهم ثم عجز بعضهم عن جواب مسائل فقهية يسيرة. ثم يأتي الباب السابع، وهو أوسع أبواب الكتاب، ليحوّل هذه التوجيهات إلى نماذج بشرية؛ فيرتب كبار الحفاظ على حروف المعجم، ويصرح بأن المقصود من ذكرهم وما حفظوه هو تحريض المجتهد وتوبيخ المتكاسل. ويبدأ بأحمد بن حنبل، فيورد ما نُقل عن أبي زرعة من أن كتبه بلغت أحمالًا كثيرة وكان يعرف ما فيها، وأنه كان يحفظ قدرًا هائلًا من الحديث، ثم يذكر أحمد بن أبي خيثمة وثعلبًا والأثرم والنسائي وابن عقدة وغيرهم، ويعرض قصصًا تظهر سرعة الاستيعاب وقوة الاستحضار، ومنها قصة المتنبي الذي تصف الرواية حفظه نحو 30 ورقة بعد مطالعتها، وأخبار ابن عقدة في المذاكرة بمئات الآلاف من الأحاديث. وتمتد التراجم إلى أئمة الحديث واللغة والفقه، فيذكر أبا داود والطبراني وسفيان الثوري وشعبة وعبد الرحمن بن مهدي والأصمعي وقتادة وإسحاق بن راهويه والبخاري ومسلم وغيرهم، وتتنوع دلائل الحفظ بين كثرة الأحاديث، واستحضار الأسانيد والمتون، وحفظ الشعر واللغة والأنساب والفقه. ومن الأمثلة التي يوردها أن عبد الرحمن بن مهدي كان يحدث من حفظه حتى قيل إن من سمع منه لم ير عنده كتابًا، وأن الأصمعي ذكر حفظ 60 ألف أرجوزة، كما يسوق أخبارًا في امتحان الحفاظ بالمذاكرة وقلب الأسانيد والمتون لبيان دقة الضبط لا مجرد كثرة المحفوظ. وفي أواخر التراجم يذكر الجعابي الذي قال إن ضياع كتبه لا يضره لأن فيها 200 ألف حديث لا يشكل عليه إسنادها ولا متنها، ثم الحاكم النيسابوري ومسلم بن الحجاج وموسى بن هارون والمعافى بن زكريا، وينتهي ترتيب الحروف إلى يحيى القطان ويحيى بن صاعد وأبي يوسف ويزيد بن هارون، الذي ينقل عنه حفظ 23 ألف حديث. ولا يضع ابن الجوزي خاتمة نظرية مستقلة بعد هذه النماذج؛ فآخر تراجم الحفاظ نفسها تؤدي وظيفة الخاتمة، إذ تنقل القارئ من قواعد الحفظ والتكرار وترتيب العلوم إلى شواهد على ما يمكن أن تبلغه الذاكرة بالملازمة والاجتهاد.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














