
نبذة عن الكتاب:
يصوغ مصطفى لطفي المنفلوطي في «الحجاب» موقفه من السفور في قصة حوارية تبدأ بصديق عاد من أوروبا وقد تبدلت أفكاره ونظرته إلى الدين والوطن والمجتمع، وأصبح يرى الحجاب عائقًا أمام تقدم الأمة، حتى قرر أن يبدأ بزوجته فينزع عنها البرقع ويدفعها إلى مخالطة الرجال. ومن هذه المواجهة يتشكل الحوار الذي يحمل المحور الرئيس للنص؛ فالراوي يذكّر صاحبه بما رآه واختبره في المجتمعات التي لا حجاب فيها، ويسأله كيف يطمئن إلى سلامة عرضه من مطامع الرجال بعدما أقر بأنه طمع هو نفسه في أعراض غيره، ثم يناقش قوله إن عفة المرأة وحدها تكفي لحمايتها، مؤكدًا أن النفس البشرية قد تضعف حين تتوافر أسباب الفتنة، وأن الرجل لا يصح أن يطالب المرأة بضبط هوى يعجز هو نفسه عن ضبطه. وتتسع المناقشة إلى نقد انشغال بعض دعاة الإصلاح بقضية المرأة والحجاب مع بقاء مشكلات الرجال والأمة من غير إصلاح، فيطالب بتهذيب الرجال قبل النساء، ويحمل نظرات الرجال ومضايقاتهم وفضولهم جانبًا من مسؤولية تضييق حياة المرأة، ثم يعرض التحولات التي رافقت دعوات التحرر الجديدة: ضعف سلطة الأسرة، واضطراب العلاقة بين الزوجين، وتحويل الحب السابق على الزواج إلى شرط للسعادة، والتبرج طلبًا لإعجاب الرجال، ثم تناقض المجتمع حين يدفع المرأة إلى هذا المسار ويعود فيرفض الزواج بها. ولا ينكر حاجة المرأة إلى العلم أو الخروج إلى الهواء والنور أو حسن اختيار الزوج، لكنه يربط ذلك بالأسرة وحسن التربية وصيانة العلاقات، ويرفض نقل أنماط الحياة الأوروبية إلى المجتمع المصري نقلًا مباشرًا، مستعينًا بفكرة أن لكل تربة نباتًا يلائمها ولكل نبات زمنًا ينمو فيه، وأن ما يصلح في بيئة قد يؤدي إلى نتائج مختلفة إذا نُقل إلى بيئة أخرى من غير تهيئة. وهكذا يتسع موضوع الحجاب ليشمل الشرف الأسري، وطبيعة العلاقة بين الرجال والنساء، وآثار التقليد الاجتماعي، ومدى استعداد المجتمع لتحمل صور الحرية الجديدة، وينتهي الحوار الأول بانقطاع الراوي عن صديقه بعدما أصر الأخير على فتح بيته للمخالطة وإزالة الحجاب عن نسائه.
ولا يبقى الخلاف بين الرجلين في حدود الجدل، إذ تتحول بقية القصة إلى مأساة ترتبط مباشرة بما سبق من الحوار. تمر 3 أعوام بعد فتح الصديق بيته للرجال والنساء، ثم يستدعى ليلًا إلى مخفر الشرطة بعدما عُثر على زوجته في موضع ريبة مع رجل يتبين أنه أحد أصدقائه، فيسقط مغشيًا عليه ويصاب بحمى شديدة. وعند اقتراب موته لا يطلب الانتقام، بل يطلب أن تبلغ زوجته أنه عفا عنها، ويحمل نفسه المسؤولية لأنه هو الذي أزال الحاجز وأدخل صديقه بيته وأتاح له مخالطة زوجته، ويستعيد وعده لأبيها بأن يصون عرضها ثم يرى أنه خان ذلك الوعد، حتى يصرح بأنه هو الذي وضع في يدها الخنجر الذي أصابه، وأن أحدًا لم يذنب إليه مثلما أذنب هو إلى نفسه. ويتضاعف ألمه حين يدخل طفله، فتثور في نفسه الشكوك في نسبه ويدفعه عنه، ثم يستعيده ويرق له ويقرر أن يحتضنه سواء أكان ابنه أم ولد الجريمة، لأن الطفل لا ذنب له فيما وقع، فتجتمع في هذا المشهد الغيرة والشك والشفقة والندم والخوف من العار. وقبل موته تدخل الزوجة بثياب سوداء، وتؤكد أنها وإن دنت من الجريمة فإنها لم ترتكبها، وتطلب عفوه، فينظر إليها نظرة باسمة تكون آخر عهده بالحياة ثم يموت. ويعود الراوي من دفنه ليكتب القصة وقد صار مصير صديقه نهاية عملية للأفكار التي ناقشها منذ أول الحوار؛ فالرجل الذي أراد أن يبدأ إزالة الحجاب من بيته انتهى إلى انهيار أسرته وموته تحت وطأة الندم والشك، وتغلق المأساة النص على التحذير من العبث بالبنية الأخلاقية والاجتماعية للأسرة وتقليد أنماط حياة أخرى من غير تقدير لعواقبها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














