
نبذة عن الكتاب:
لا تسير «التبصرة» لابن الجوزي في موضوع واحد متصل، بل تتشكل في مجالس وعظية يبدأ كثير منها بقصة من قصص الأنبياء أو بآية من القرآن، ثم يفتح ابن الجوزي منها أبوابًا في التفسير واللغة والحديث والآثار والرقائق قبل أن يحولها إلى خطاب مباشر في إصلاح القلب والسلوك. والمجلس الأول نفسه يكشف هذه الطريقة؛ فهو في آدم عليه السلام، يبدأ بقوله تعالى: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾، فيشرح الألفاظ، ويسوق الأقوال المختلفة في سبب إعلام الملائكة بخلق آدم ومعنى الخليفة واستفهام الملائكة، ثم يتابع خلق آدم وتعليمه الأسماء وسجود الملائكة وامتناع إبليس وإسكان آدم وزوجه الجنة والزلل والهبوط والتوبة، ولا يترك القصة عند حدود الخبر، بل يجعلها إنذارًا من الذنب والتسويف وحافزًا إلى التوبة وتذكر الموت ومحاسبة النفس. ثم تتوالى المجالس في قصص قابيل وهابيل، وإدريس، ونوح، وعاد، وثمود، وإبراهيم، وبناء الكعبة، وقصة الذبح، ولوط، وذي القرنين، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وموسى والخضر، وقارون، وبلعام، وداود، وسليمان، وبلقيس، وسبأ، ويونس، وزكريا ويحيى، ومريم وعيسى عليهم السلام، وأصحاب الكهف؛ ويستخرج من كل قصة ما يناسبها من الصبر والخوف والتوكل والزهد وكسر الشهوة والتحذير من الحسد والكبر والمال والجاه، مع كثرة الانتقال من الحكاية إلى النداء الوعظي المسجوع والشعر وأخبار العباد والبكائين. وبعد أخبار الأمم السابقة يصل إلى سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فيفرد مجلسًا لابتداء أمره يتناول مولده ونشأته ونسبه وأسماءه وصفاته وما يورده من دلائل نبوته، ثم يتبع ذلك بمجالس في فضائل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ثم عائشة رضي الله عنها وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم، حتى يختم هذه السلسلة بمجلس في فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يفسر فيه قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾، ويتناول شهادتها على الأمم وما يورده في خصائصها وفضلها. وينتهي عند ذلك الجزء الأول صراحة، ثم يبدأ الجزء الثاني من جديد بمجالس أخرى، وهو ما يبين أن وحدة «التبصرة» ليست وحدة موضوع متسلسل بقدر ما هي وحدة غاية: نقل السامع من العلم بالقصة أو الآية إلى الاعتبار بها، ولذلك يعود ابن الجوزي مرارًا إلى التوبة والخوف من الخاتمة وذكر الموت واغتنام الصحة والفراغ ومجاهدة الهوى، مهما كان العنوان الذي بدأ منه المجلس.
ويغيّر الجزء الثاني طريقة ترتيب المادة من التاريخ النبوي إلى مواسم العبادة وأعمال القلوب والجوارح؛ فيبدأ بعاشوراء والمحرم، ثم تأتي مجالس في رجب والإسراء والمعراج وشعبان وليلة النصف منه، واستقبال رمضان ووسطه والعشر الأواخر وليلة القدر وعيد الفطر، ثم عشر ذي الحجة وعرفة، فيربط الأزمنة الفاضلة بالصيام والقيام والتوبة والذكر والاستعداد للآخرة، مع استمرار منهجه في نقد بعض المرويات؛ ففي مجلس عاشوراء ينبه مثلًا إلى أحاديث في الاغتسال والاكتحال والمصافحة يصفها بأنها موضوعة ولا يرى فائدة في ذكرها. ثم تتسع المجالس إلى خلق الإنسان والسماوات والأرض وما فيها من دلائل القدرة، قبل أن تظهر «الطبقة الرابعة» التي يعلن أنها في فضائل العلم والمعاملات، ويفتتحها بمجلس «في فضائل العلم والعمل»؛ فلا يقف عند الثناء على العلم، بل يجعل العلماء أدلاء إلى التوحيد والآخرة، وطلب العلم عبادة، ثم يشدد على أن المقصود منه العمل وأن سلوك العالم أقوى أثرًا من مجرد قوله، ويحذر من طلب العلم للمباهاة والمراء والجاه. وتتتابع في هذه الطبقة مجالس في الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج، ثم الأخوة والصداقة، حيث يشرح الحقوق الناشئة عن الإسلام ثم ما يزيد عليها بسبب القرابة والجوار والضيافة والصحبة والأخوة الخاصة في الله تعالى، وينتقل إلى العزلة، ثم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيجعله من أصول الدين وأعمال الأنبياء، ويعرض مراتبه، ويحذر من السكوت عن المنكر، لكنه يقترن عنده بالرفق؛ فيورد عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه نهى عن سب صاحب الذنب وفرق بين بغض المعصية وبغض صاحبها، ويذكر نماذج للدعوة اللينة التي تحقق المقصود من غير إهانة. وفي الصفحات الأخيرة لا ينتهي ابن الجوزي عند إصلاح المجتمع، بل يدفع المجلس إلى المصير الذي ظلت المواعظ كلها تذكر به؛ فيفسر قوله تعالى: ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾، ويتحدث عن النفخ في الصور والفزع والصعق ثم البعث، وقيام الأجساد وعودة الأرواح والحشر وانتظار القضاء والشفاعة، ثم عرض الأعمال والحقوق والمظالم وتمييز أهل الإيمان من غيرهم، وضرب الصراط فوق جهنم واختلاف الناس في المرور عليه. ويبلغ آخر النص عند وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى باب الجنة واستفتاحه لها ودخوله وسجوده، ثم تثبت العبارة الختامية: «تم الكتاب بحمد الله تعالى»؛ فتغلق «التبصرة» دائرتها عند المشهد الذي كانت مجالسها كلها تستعد له: بدأت بخلق آدم عليه السلام وابتلائه في الجنة، وانتهت بالبعث والحساب والصراط وفتح باب الجنة بعد انقضاء زمن العمل.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














