
نبذة عن الكتاب:
يربط الخطيب البغدادي في كتابه «اقتضاء العلم العمل» قيمةَ العلم بما يحدثه في صاحبه من طاعة واستقامة، فيوصي طالب العلم منذ فاتحة الكتاب بإخلاص النية وإجهاد النفس في امتثال ما يتعلمه، ويلخص مقصده بقوله: «فإن العلم شجرة والعمل ثمرة، وليس يُعد عالمًا من لم يكن بعلمه عاملًا». ومن هذا الأصل يبني الكتاب كله: فلا غنى عن العلم للعمل، ولا ثمرة للعلم إذا انفصل عن التطبيق، بل قد ينقلب ما كان سببًا للهداية حجةً على صاحبه إذا عرف الحق ثم تركه.
ويحذر من الفصل بين الطرفين في الاتجاهين معًا؛ فلا يدعو إلى عمل مجرد من المعرفة، ولا إلى معرفة تستكثر من المسائل والروايات ولا تغير السلوك، بل يطالب بالجمع بينهما وإن قل نصيب الإنسان منهما. ويشبه جمع العلم من غير استعماله بجمع الذهب والفضة من غير إنفاق، ويقرر أن العلم إنما يطلب للعمل، والعمل يراد للنجاة؛ فإذا قصر العمل عن العلم صار العلم حملًا على صاحبه بدل أن يكون زادًا له.
وتتأكد هذه الفكرة بما يورده من النصوص والآثار التي تجعل الإنسان مسؤولًا عما عرف، لا عن مقدار ما حصله فحسب؛ فيستفتح روايات الكتاب بحديث السؤال يوم القيامة عن العمر والعلم والمال والجسد، وفيه السؤال عن العلم: ماذا عمل صاحبه فيه؟ ثم تتكرر على ألسنة الصحابة والتابعين ومن بعدهم عبارات تجعل حقيقة العالم في العمل، وتربط ازدياد المعرفة بازدياد المسؤولية، حتى يصبح السؤال الدائم لطالب العلم: ماذا تغير في فعله بما تعلم؟
ويجمع الخطيب مادته في 201 رواية وخبرًا وأثرًا، يسوق معظمها بأسانيده، ويمزج فيها الأحاديث النبوية بأقوال الصحابة والتابعين والعلماء والعباد والحكماء، ويضيف أخبارًا وحكايات وأشعارًا تخدم المعنى نفسه. ولا يسير الكتاب على طريقة البحث النظري الذي يفصل القضايا بتعريفات طويلة، بل تتراكم الشواهد حتى تصنع موعظة متصلة تلاحق طالب العلم في قصده وعمله ووقته وموقفه من القرآن والحديث والفقه وسائر ما يتعلمه.
ومن المعاني التي يكررها أن العلم الذي لا يُستعمل قد يضر صاحبه، لأنه يزيد قيام الحجة عليه. ولهذا ترد أخبار عمن توقف عن الاستزادة حتى يعمل بما حصله، وعن عائشة رضي الله عنها حين سألت فتى كان يأتيها ليتعلم: هل عمل بما سمع منها؟ فلما قال: لا، أنكرت عليه أن يستكثر من حجج الله تعالى عليه. وتظهر الفكرة نفسها في تشبيه من يضيف علمًا جديدًا إلى علم لم يعمل به برجل جمع حزمة لا يستطيع حملها ثم ضم إليها حزمة أخرى.
ولا يكتفي الكتاب بالمطالبة بالعمل الظاهر، بل يصل العلم والعمل بالإخلاص؛ فطلب العلم قد يكون عبادة وقد يتحول إلى وسيلة للمباهاة والمماراة وجذب وجوه الناس وطلب الدنيا. ولذلك يجعل صلاح القصد جزءًا من الانتفاع بالمعرفة، وينقل أن «العلم موقوف على العمل، والعمل موقوف على الإخلاص»، ويحذر من أن يطلب المرء العلم ليعلو على أقرانه أو يكثر أتباعه أو يصيب به عرضًا دنيويًا.
ومن هنا يعقد بابًا خاصًا لذم طلب العلم للمباهاة والمماراة ونيل الأغراض والأعواض، ويورد فيه ما يفرق بين من يطلب العلم للآخرة ومن يجعله طريقًا إلى الدنيا. كما يصور «عالم السوء» الذي يستقيم قوله ويفسد فعله؛ لأن تأثير العالم لا ينفصل عن سيرته، وقد يؤدي تناقض القول والعمل إلى سقوط موعظته من القلوب، بل إلى أن يصبح علمه وسيلةً يبرر بها الناس تقصيرهم أو يقتدون من خلالها بفساده.
ويخص القرآن بنصيب ظاهر من هذا المعنى؛ فيحذر من قراءته للصيت والذكر دون طلب الأجر والعمل، ثم يعقد بابًا في «حفظ حروفه وتضييع حدوده». والمقصود أن العناية بألفاظ القرآن لا تحقق غايته إذا عطلت أوامره ونواهيه؛ ولذلك ينقل أن تدبره وحق تلاوته يرتبطان باتباعه، وأن العمل به يكون بإحلال حلاله، وتحريم حرامه، والائتمار بأوامره، والانتهاء عن نواهيه، والوقوف عند عجائبه.
وتشمل المراجعةُ طالبَ الفقه كذلك؛ فيعقد باب «ذم التفقه لغير العبادة»، منتقدًا أن يتحول الفقه إلى معرفة منفصلة عن الدين الذي يفترض أن تُقيمه في النفس، أو إلى حذق يستعمل لاستخراج الشبه التي تبرر الهوى. ويقابل ذلك بصورة العلم الذي يفضي إلى العبادة والعمل، وينقل قول معروف الكرخي الذي يقابل بين فتح باب العمل وفتح باب الجدل، فيجعل الاشتغال بالجدال على حساب الامتثال علامة خلل في مقصد التفقه.
ثم يوجه النقد إلى أهل الحديث أنفسهم، وهو ميدان الخطيب الذي عُرف به، فيعقد بابًا في كراهية طلب الحديث للمفاخرة وعقد المجالس واتخاذ الأتباع والأصحاب بروايته. وتأتي آثار هذا الباب شديدة في التحذير من التوسع في السماع وجمع الروايات إذا بقي العمل ثابتًا لا يزيد، ومن طلب المزيد لمجرد أن يقال: سمع وروى وجمع. وليس المقصود ذم الحديث نفسه؛ إذ ينقل صراحةً أنه من أفضل الأشياء لمن عمل به، وإنما الذم لاستبدال جمعه والعملَ بمقتضاه.
ولهذا تأتي النصيحة العملية لطالب الحديث أن يجعل مقدار عمله موازيًا لزيادة طلبه؛ وينقل عن أحمد بن حنبل تشبيه العلم بالمال: كما أن المال إذا ازداد ازدادت زكاته، ينبغي أن يزداد عمل طالب العلم كلما ازداد علمه. ويورد أيضًا أن بعضهم كان يستعين على حفظ الحديث بالعمل به، فيجعل الامتثال جزءًا من رسوخ المعرفة، لا ثمرة متأخرة لا صلة لها بعملية التعلم نفسها.
ويعقد بابًا فيمن كره تعلم النحو لما قد يكسبه من الخيلاء والزهو، لكن سياق الآثار لا يجعل ضبط العربية مذمومًا في ذاته بقدر ما يوبخ من يصحح لحن لسانه ويترك «لحن العمل». فالمعيار الذي يعيده الكتاب هنا أيضًا هو ترتيب الأولويات: لا ينبغي أن يشتد حرص الإنسان على سلامة عبارته بينما لا يبالي بفساد فعله، ولا أن يصبح العلم الأدبي وسيلة إلى التعاظم بدل أن يخدم العلم النافع والعمل الصالح.
وبعد هذه الأبواب التي تكشف آفات طالب العلم، ينتقل الكتاب إلى دفعه نحو المبادرة؛ فيعقد «باب الأخذ بالوثيقة في أمر الآخرة»، فيحث على الجد في العمل وعدم الاتكال على مجرد الرجاء. ويعقبه بباب يجعل الأعمال «الزاد والذخيرة النافعة يوم المعاد»، فتتحول المعرفة هنا إلى سؤال عن الرصيد الحقيقي الذي يصحب الإنسان بعد موته: ليس ما جمعه من معلومات أو ما عُرف به بين الناس، وإنما ما قدمه من عمل صالح.
ثم يشتد حضور الزمن في أواخر الكتاب؛ فيعقد بابًا لاغتنام الشباب والصحة والفراغ والمبادرة إلى العمل قبل حدوث ما يقطع عنه. ويورد الحديث: «الفراغ والصحة نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس»، ثم وصية اغتنام الشباب قبل الهرم، والصحة قبل السقم، والغنى قبل الفقر، والفراغ قبل الشغل، والحياة قبل الموت. وتتتابع بعدها أخبار من كانوا يعدون الساعات والأيام فرصًا لا تعوض، ويخافون أن يجيء المرض أو الضعف أو الموت قبل تنفيذ ما عزموا عليه.
ولا يجعل الشباب ضمانًا لبقاء المهلة؛ بل يورد التنبيه إلى قلة الشيوخ دليلًا على أن كثيرًا من الناس يموتون قبل بلوغ الكبر، ويكرر معنى العمل قبل العجز عنه. وتأتي صورة الليل والنهار «مراحل» ينزلها الإنسان مرحلة بعد مرحلة حتى ينتهي سفره، ليصبح كل يوم موضعًا لتقديم زاد جديد، لا مجرد زمن ينتظر فيه المرء فرصة أكثر ملاءمة للطاعة.
ولهذا يختم الكتاب بباب «ذم التسويف»، فيواجه كلمة «سوف» لأنها تنقل العمل من يوم يملكه الإنسان إلى غد لا يملكه. وينقل عن الحسن قوله: «إياك والتسويف فإنك بيومك ولست بغدك»، ثم ينهي الكتاب برسالة مطولة تحذر من تمكين التسويف من القلب؛ لأنه يضعف العزم ويورث الكسل حتى يفاجئ الأجل صاحبه، فيفرح بما قدم أو يندم على ما فرط.
وهكذا لا يقصد «اقتضاء العلم العمل» إلى التقليل من شأن العلم، بل إلى إثبات حقه على صاحبه؛ فشرفه لا يكتمل بكثرة الرواية والحفظ والفقه والقراءة، وإنما بإخلاص النية ثم ترجمة المعرفة إلى عبادة وسلوك. ويظل السؤال الذي تتفرع منه أبواب الكتاب كلها: هل يقود ما يتعلمه الإنسان إلى عمل أكثر وتقوى أصدق؟ فإذا كان كل ازدياد في العلم يزيد صاحبه خشيةً وامتثالًا فقد أدى العلم وظيفته، وإن تحوّل إلى مفاخرة أو جدل أو شهرة أو تراكم لا يغير صاحبه، صار ما جمعه مسؤوليةً أثقل لا فضيلةً أتم.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














