
نبذة عن الكتاب:
يوسع ابن الجوزي في «البر والصلة» معنى البر من الدائرة الأشد قربًا، وهي الوالدان، حتى يصير في النصف الأخير من الكتاب بابًا واسعًا لكل إحسان يصل إلى قريب أو جار أو ضيف أو مسلم أو محتاج؛ ولذلك تمتد مادته في 54 بابًا ولا تقف عند بر الوالدين وصلة الرحم وحدهما. ويبدأ بتعليل حق الوالدين من جهة العقل قبل الاستدلال بالنصوص، فيذكر ما تحملته الأم من الحمل والوضع والسهر والتربية وتقديم ولدها على نفسها، وما بذله الأب من التربية والكسب والإنفاق، ثم يقرر أن الولد مهما بالغ في البر لم يستوف شكرهما، ويصل هذا الأصل بحق الأقارب لأن الرحم تجعل بعض الإنسان متصلًا ببعض. وبعد ذلك يشرح آيات الإحسان إلى الوالدين، ولا سيما النهي عن التأفف والنهر والأمر بالقول الكريم وخفض جناح الذل، ثم يورد ما جاء في السنة من الأمر بطاعتهما وبرهما، ويقدم خدمتهما في مواضع على الخروج للجهاد والهجرة، مستشهدًا بمن ردهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى آبائهم وأمهاتهم ليبروهم. ويعقب ذلك بكون البر من أحب الأعمال إلى الله تعالى، وما ورد في زيادته في العمر والرزق، ثم يجعل بابًا مستقلًا لكيفية البر: طاعة الوالدين فيما ليس بمحظور، وتقديم أمرهما على النافلة، والإنفاق عليهما، وتحري ما يشتهيانه، وخدمتهما، وخفض الصوت، وعدم التقدم عليهما في المشي أو الجلوس، والصبر على ما يصدر منهما. ويخص الأم بمزيد من الحق مستندًا إلى تكرار تقديمها في حسن الصحبة، ثم يبحث ما يمكن أن يجازي به الولد أباه، وثواب البر والإنفاق على الوالدين، ويورد أخبارًا كثيرة عن مبالغة السلف في خدمة أمهاتهم وآبائهم. وفي مقابل هذه الصورة يخصص عدة أبواب للعقوق: يجعله من الكبائر، ويورد ما جاء في عقوبة عاق أبيه وعاق أمه، ثم يعرّفه بأنه مخالفة الوالدين فيما يأمران به من المباح وسوء الأدب معهما قولًا وفعلًا، ويدخل فيه إغلاظ النظر وإبكاء الوالدين، ثم يتناول دعاء الوالدين للولد ودعاءهما عليه، والتبرؤ من الوالد أو الولد، والانتساب إلى غير الأب، والتسبب في شتم الوالدين بأن يشتم المرء آباء الناس فيردوا عليه بالمثل.
ولا ينتهي البر عند حياة الوالدين؛ إذ ينتقل ابن الجوزي إلى صلتهما بعد موتهما بالدعاء والاستغفار وما يصل إليهما من عمل الولد، ثم صلة أقاربهما وأصدقائهما، وزيارة قبريهما، قبل أن يوسع الدائرة إلى العيال والبنات والأخوات والبنت المطلقة والخالة، ثم إلى صلة الرحم عمومًا. وفي باب صلة الرحم يجمع بين ما ورد في أثرها في العمر والرزق وبين الوعيد على القطيعة، ثم يميز بين الصلة التي لا تتجاوز المكافأة وبين الصلة الكاملة التي تستمر مع من يقطع؛ فيورد أن الواصل ليس من يرد الإحسان بمثله، وإنما من يصل رحمه إذا قطعته، ويعقب ذلك بفضل الصدقة على القريب لما فيها من أجر الصدقة والقرابة، وعلى القريب المعادي لما فيها من مخالفة هوى النفس، ثم بصلة القريب المشرك كما فعلت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها حين أذن لها النبي صلى الله عليه وسلم في صلة أمها المشركة. ومن هنا تتحول بنية الكتاب من القرابة بالنسب إلى شبكة الحقوق الاجتماعية كلها: حق الجار وكف الأذى عنه، إكرام الضيف، حقوق المسلم في السلام والتشميت وعيادة المريض وإجابة الدعوة وشهود الجنازة والنصيحة، ثم القرض وإنظار المعسر والتجاوز عنه. وبعد ذلك يحتل الإحسان المالي مساحة واسعة؛ فيورد ثواب الصدقة، واختيار أجود المال وأحبه لها، وإخفائها، وفضل صدقة الفقير، وعدم احتقار القليل، وحق السائل، وأن ما يتصدق به هو الباقي لصاحبه، وما يروى في دفع الصدقة للبلاء، مع التنبيه إلى أن الصدقة لا تقبل من المال الحرام. ثم يتدرج إلى العتق وكفالة اليتيم والسعي على الأرملة والمسكين وفعل المعروف مع كل ملهوف، ويكثر في هذا القسم من القصص والأخبار التي تصور تفريج الكرب وقضاء الحاجات وإغاثة المضطرين. ويأتي الباب قبل الأخير في ثواب من يكون واسطةً بين أخيه المسلم وصاحب سلطان لقضاء حاجته، أما الباب 54 والأخير فيحمل عنوان «أن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة»، ويورد فيه أخبارًا تجعل المعروف الذي صنعه الإنسان في الدنيا سببًا لنفعه عند أهوال القيامة؛ فتنتهي حركة الكتاب عند معنى أوسع بكثير من مدلول «صلة الرحم» وحده: يبدأ الإنسان بأداء حق أبويه، ثم رحمه وأهله وجاره وإخوانه، وينتهي إلى أن كل إحسان يقدمه إلى محتاج أو ملهوف يدخل في البر الذي أراد ابن الجوزي جمع صوره وآثاره.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














