
نبذة عن الكتاب:
يصوغ محمد حسين يعقوب في هذا الكتاب السيرَ إلى الله تعالى في صورة رحلة لها طريق وعلامات ودليل ورفقة وزاد وعقبات ومحطات للاستراحة، ثم يقيم عليها جملة من القواعد التي تضبط سير القلب والعمل. ويؤكد منذ التمهيد أن هذا الطريق لا يستقيم بالحماسة التعبدية وحدها ولا بالمعرفة المجردة، بل يحتاج إلى قوتين متوازنتين: قوة علمية تُبصر الطريق ومعالمه ومزالقه، وقوة عملية تحمل صاحبها على السير بالفعل؛ ولذلك يجعل طلب العلم أصلًا لا يفارق السائر، في العقيدة والفقه والتفسير والسيرة والحديث وغيرها، على أن يوازيه منهج في العبادة والعمل والدعوة.
ويهيئ القارئ قبل عرض الأصول بـ«ومضات على طريق السير إلى الله»، فيبدأ بالحاجة إلى «الدليل»؛ أي المربي العالم العامل الخبير بالنفس والطريق، الذي لا تقتصر مهمته على تعريف السائر بالوجهة، بل يعينه على معرفة ما يلائمه من أبواب الخير ومواطن القوة والضعف. ويقرر أن الطريق إلى الله تعالى واحد من جهة كونه الصراط المستقيم، وإن تنوعت الأعمال التي يسلك بها الناس بحسب استعداداتهم؛ فقد يكون فتح أحدهم في العلم والتعليم، وآخر في الذكر، أو الصلاة، أو الإحسان إلى الناس، أو الصوم، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الحج والعمرة، وأكملهم من يتحرك مع واجب العبودية حيث كان.
ويضم إلى الدليل «الصاحب» ورفقة الطريق؛ فيجعل الصحبة الصالحة عونًا على إزالة وحشة التفرد، وتصحيح الأخطاء، والتنبيه إلى العقبات، ولا يشترط في الصاحب كمالًا لا يوجد في البشر، بل موافقةً في أصل الطريق وحرصًا على طاعة الله تعالى. ثم ينتقل إلى تحديد الهدف بالنية، فيطالب السائر بأن يسأل نفسه من البداية: ماذا يريد من التزامه وعلمه وعبادته ودعوته؟ أيريد وجه الله تعالى أم شهرةً ورياسةً أو تعويضًا عن دنيا فاتته؟ ومن هنا يجعل «توحيد القصد وتوحيد المقصود» حاسمين في سلامة الرحلة.
ثم تأتي «مقومات السفر»، وفي مقدمتها أن المنهج في التعبد لا يُنشأ من الأهواء والتجارب الروحية، وإنما يُلتمس من الكتاب والسنة، مع برنامج واضح يحاسب الإنسان نفسه عليه في طلب العلم والعبادة والدعوة: ماذا يفعل؟ ومتى؟ وكم؟ وكيف؟ فلا تبقى حياته الإيمانية رهينة المزاج والاندفاع المؤقت. ويحرص في الوقت نفسه على التدرج والمتابعة حتى لا تبدأ الرحلة بقوة عارضة تنتهي إلى الفتور والانقطاع.
ويفرد للزاد ومضة خاصة، ويجمعه في التوحيد والإيمان، واليقين، والتقوى، والإخلاص، وخبيئة من العمل الصالح لا يطلع عليها الناس، والصبر. فالتوحيد يمنح الرحلة معناها، واليقين يضيء ما يعترضها من ظلمات، والتقوى تضبط الأمر والنهي، والإخلاص يصفي العمل من إرادة غير الله تعالى، والخبيئة تحفظ للعبد عملًا مستورًا بينه وبين ربه، والصبر يحمله عبر طول الطريق ومشقاته.
ويقابل الزادَ ببحث «آفات على الطريق»، فيحذر من الاستيحاش بسبب قلة السالكين، ومن فضول الكلام والمخالطة التي تتحول إلى شهوة تقطع القلب عن مقصوده، ومن «النفق المظلم» الذي تمثله الفتن والخلافات حين تستنزف الإنسان في الجدال والردود وتنسيه إصلاح نفسه، ومن جسر الابتلاء الذي لا بد فيه من الصبر والاحتساب، ثم من أشق الجسور: النفس بما فيها من شهوات وأهواء وآمال. ويجعل مجاهدة النفس عبورًا لا يتم دفعة واحدة، بل بتكرار المحاولة وترويضها حتى تخف مقاومتها للطاعة.
ولا يغفل حاجة المسافر إلى الترويح، فيعقد «استراحة المسافر»، ويقرر أن النفس تحتاج إلى شيء من المباح من المزاح والانبساط والمؤانسة حتى تتقوى على مواصلة العمل. ثم يورد تحت «ترويحات على الطريق» أخبارًا وحِكمًا ومواقف متنوعة، قبل أن يعيد القارئ إلى الجد ويعلن بداية الأصول نفسها.
ويفتتح الأصول بـ«عليك البداية وعليه التمام»، فيحمل العبد مسؤولية الخطوة الأولى: أن يقصد ويطلب ويدعو ويقترب، ثم يرجو من الله تعالى العون والإتمام والزيادة. ويليه «كن واحدًا لواحد على طريق واحد»، وهو دعوة إلى وحدة الشخصية والوجهة؛ فلا يكون الإنسان بوجوه متعددة بحسب من يقابله، بل يخلص قلبه لمعبود واحد ويسلك طريقًا واحدًا. ويكمل الأصل الثالث هذا المعنى بقاعدته: «ما لا يكون بالله لا يكون، وما لا يكون لله لا ينفع ولا يدوم»؛ فالاستعانة بالله تعالى لازمة لوقوع العمل، والإخلاص له لازم لنفعه وثباته.
ويجعل الأصل الرابع «الشكر أساس المزيد»، فيتعامل مع الهداية إلى الطريق، ومعرفة الخير، والقدرة على الصلاة والذكر والصيام وسائر الطاعات بوصفها نعمًا تحتاج إلى شكر حتى تحفظ وتزداد، ويستشهد لذلك بقصة حدير وما استخرجه منها من شكر النعمة بما يوافق مقتضاها. ثم يأتي «املك عصا التحويلة» ليطالب السائر بأن يبقي زمام قلبه تابعًا للقرآن والشرع لا للزوجة أو الأولاد أو الأصحاب أو العمل أو ضغط البيئة؛ فإن انحرف عن الطريق لم يصر على انحرافه، بل استعمل «عصا التحويلة» في التوبة والرجوع.
ويحصر الأصل السادس الاهتمام في «يومك يومك»؛ فلكل وقت واجبه، ولا يطالب الإنسان اليوم بعمل الغد، ولذلك ينهى عن استهلاك الحاضر في هموم المستقبل ورزقه ومشكلاته. ثم يأتي «وليسعك بيتك» ليعالج الانشغال المفرط بالناس وأخبارهم وعيوبهم، فيدعو إلى حفظ اللسان والخلوة النافعة ومحاسبة النفس، مع التنبيه إلى أن الانشغال بالنفس نفسه يصبح نقصًا إذا حجب القلب عن الله تعالى.
ويختبر الأصل الثامن حقيقة الإرادة بعنوان «الصادق حبيب الله تعالى»؛ فيسأل الإنسان عن صدقه في طلب الآخرة حين تتعارض مع محبوباته الدنيوية، ويستحضر نماذج من العلماء والعباد الذين تحملوا ضيق العيش في سبيل ما قصدوه. ثم يأتي «دوما في المعاملة السحب من الرصيد»، فيربط بعض الحرمان من الطاعات بما سبق من الذنوب، ويقابل ذلك بأن حفظ حدود الله تعالى في الرخاء يكون رصيدًا من المعونة والتوفيق عند الحاجة والشدة.
ويضع الأصل العاشر القرآن في مركز السير بعنوان «القرآن قائد وسائق وحادٍ»؛ فالقرآن عنده ليس وردًا منفصلًا عن بناء الشخصية، بل قائد يشكل التصور والإيمان والسلوك، وسائق يدفع إلى الحركة، وحادٍ يستحث القلب على مواصلة الطريق. ثم يحذر في الأصل الحادي عشر من محاولة الجمع بين جد السير وحياة الفراغ، فيقول: «لا تلبس ثياب الفراغ أثناء العمل»؛ فالدنيا عنده دار ابتلاء وتكليف وعمل، أما الراحة الكاملة فليست هي الوظيفة التي خُلق لها هذا العمر.
ويجعل الأصل الثاني عشر الحياة مليئة بـ«مواقف للتمييز»؛ فقد يكون الشيء الواحد نعمةً لإنسان وفتنةً لآخر، وقد تختلط في الظاهر المنحة بالمحنة والعطية بالبلية، فلا بد للسائر من بصيرة تميز أثر الحدث في إيمانه وقلبه. ويلي ذلك «الاعتصام بالله عقيدة وعمل ودعاء»، ويجعل يوسف عليه السلام نموذجًا له: اعتقاد أن النجاة من الله تعالى وحده، وموقف عملي يفر من المعصية، ودعاء يستمد العون عند اشتداد الفتنة.
ويقاوم الأصل الرابع عشر فتور من يظل ينظر إلى بعد الغاية بعنوان «من استطال الطريق ضعف مشيه»؛ فطول السير لا يعالج بالشكوى من طوله، وإنما بالصبر والعمل المتتابع حتى الموت. ثم يتجه الأصل الخامس عشر إلى باطن العمل تحت عنوان «السر الدفين لعدم القبول وجود حظ للنفس في العمل»، فيفتش عن باعث الصلاة والصيام والعلم والصدقة والحج وحسن المعاملة: هل المقصود وجه الله تعالى، أم دخل في العمل طلب راحة النفس أو مدح الناس أو منفعة خفية؟ وبذلك يجعل تصحيح النية مراقبة مستمرة لا خطوة تنتهي عند بداية العبادة.
وفي الأصل السادس عشر «الأمر كله بيد الله، فسلّم تسلم» يربط الإسلام بالاستسلام والانقياد، ويطالب السائر بأن يسلم أمره لله تعالى ويخضع لحكمه الشرعي والقدري بدل أن يجعل نفسه وهواها صاحبي الأمر. ويعقب ذلك بـ«دليل عدم رضاه عنك عدم رضاك عنه»، فيدرب النفس على الرضا بما قسم الله تعالى وعلى النظر إلى الموجود من النعم بدل دوام الاعتراض والمقارنة، رابطًا سعة القلب وبركة العطاء بالرضا.
ثم يحذر في الأصل الثامن عشر: «إياك أن تمكر به فيمكر بك»، ويجعل من صور المكر أن يصر الإنسان على المعصية ثم يصانع ببعض الطاعات كأن ظاهر العبادة يعفيه من التوبة؛ فالاستجابة الصحيحة عند التنبيه ليست ترك الطاعة، بل ترك المعصية وتصحيح الحال. ويتبعه الأصل التاسع عشر «اجن العسل ولا تكسر الخلية»، وفيه ينتقل إلى «علم المفاتيح»: فلكل مطلوب طريق يدخل منه، ومفتاح العلم حسن السؤال والإصغاء، ومفتاح النصر الصبر، ومفتاح المزيد الشكر، ومفتاح الفلاح التقوى، ومفتاح الإجابة الدعاء، ومن مفاتيح حياة القلب تدبر القرآن والتضرع في الأسحار وترك الذنوب.
ويتسع الأصل العشرون «ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ففروا إلى الله» إلى فكرة «اللقاحات» التي تقوى بها أعمال الطريق إذا اقترنت ببعضها. فيجمع قصر الأمل مع الاستعداد للقاء الله تعالى، والهمة العالية مع النية الصحيحة، والتقوى مع التوكل، والتذكر مع التفكر، والصبر مع البصيرة، والعزيمة مع البصيرة، وحسن الظن بالله تعالى مع الافتقار والاضطرار إليه، والخشية مع المحبة، والصبر مع اليقين، وصحة الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم مع الإخلاص، والعمل مع العلم، والحلم مع العمل. والمقصود ألا يستقل معنى واحد بنفسه فيختل السير، بل يقويه المعنى الذي يكمله ويضبطه.
ويعيد الأصل الحادي والعشرون النظر إلى صفاء المعاملة بعنوان «من صفّى صُفّي له، ومن كدّر كُدّر عليه»، فيدعو إلى الصراحة مع النفس في تسمية الذنوب والتوبة منها بدل الاحتماء بتعبيرات عامة تخفي حقيقة الحال، ويربط صفاء القلب بمعرفة الله تعالى وترك الخداع والمكر. ثم يحذر الأصل الثاني والعشرون من تجزئة الدين؛ فلا يحصره في الدعوة وحدها، أو العبادة وحدها، أو العلم وحده، أو السعي إلى التمكين وحده، بل يجمع العلم والعمل والعبادة والدعوة وما يتصل بإقامة الدين، بحيث لا تتحول جزئية واحدة إلى ذريعة لتضييع سائر الواجبات.
وفي الأصل الثالث والعشرين «أنجز كل يوم شيئًا جديدًا» يعالج خفوت حرارة البدايات؛ فالإيمان يحتاج إلى تجديد، ويقترح أن يضيف الإنسان إلى يومه صورة جديدة من إحسان الصلاة أو تدبر القرآن أو الذكر أو غير ذلك من الطاعات، مع العناية بجودة العمل لا بمجرد كثرة التنويع. أما الأصل الرابع والعشرون «كف عن الشكوى وابدأ العلاج» فيقاوم الدوران حول الفتن والمشكلات والوساوس بالكلام عنها، ويطالب بالانتقال إلى الفعل؛ ويطبق ذلك على الوسوسة خاصة بالاستعانة بالله تعالى والاستعاذة وقطع الاسترسال فيها، ثم يعمم القاعدة: من ظل يصف المشكلة من غير علاج بقي أسيرها.
ويجعل الأصل الخامس والعشرون السؤال أشد من مجرد دعوى المحبة: «ليس الشأن أن تحبه، إنما الشأن أن يحبك». ولذلك يبحث عن علامات محبة الله تعالى للعبد، فيذكر اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، والذلة للمؤمنين، والعزة على الكافرين، والمجاهدة، وعدم الخوف من لوم الناس في الحق، والتقرب بالنوافل، والقبول، والتعبد لله تعالى بأسمائه وصفاته. كما يربط نمو محبة الله تعالى في القلب بمطالعة نعمه وإحسانه، حتى لا تبقى المحبة عبارة عاطفية لا شاهد لها في الاتباع والعمل.
ويخصص الأصل السادس والعشرون للزهد بعنوان «كل متاع في الدنيا يسحب من رصيدك في نعيم الآخرة»، فيحذر من الاسترسال في فضول المباحات والحرص على الزيادة من الدنيا، ويستدعي حال من خف متاعهم منها وقدموا لأنفسهم ما وجدوه في الآخرة. ولا يجعل المقصود إضاعة المال الموجود، بل توجيهه إلى ما يبقى ثوابه، والتقليل من التعلق بالزائد على الحاجة، واستحضار أن حياة الإنسان فرصة لجمع زاد لا يمكن استدراكه بعد الموت.
ويختم الأصول بقاعدة المحبة والصحبة: «المرء مع من أحب، فاختر حبيبك من ها هنا». فيدعو إلى اختيار الصالحين موضعًا للمحبة والاقتداء، ويصل الحب في الله تعالى بالدعوة ونشر الخير واستعمال الوسائل المتاحة في التذكير بالآيات والأحاديث والدروس، حتى تصبح المحبة نفسها قوة تدفع الإنسان إلى طريق من يحب لا مجرد عاطفة يدعيها.
ولا يقدم الكتاب هذه الأصول السبعة والعشرين بوصفها نهاية الطريق؛ ففي الخاتمة يصرح المؤلف بأن هذه «سبع وعشرون من مئة» ينوي استكمالها، وأنه إنما صحب القارئ في أول الرحلة ليختبر استعداده لمواصلة السير. ثم يحذره من أن يعرف الطريق ويذوق شيئًا من أنسه ثم يرتد عنه إلى الراحة والشهوة، ويختم بـ«مسك الختام» في دعاء يسأل فيه الثبات بعد الوصول، والصفاء بعد الكدر، وتمام الهداية والإخلاص. ومن ثم يجمع «أصول الوصول إلى الله تعالى» بين الوعظ المباشر، وكثرة الاستفادة من كلام ابن القيم وغيره، والصور المحسوسة المستمدة من السفر والطريق والقطار والجسور والزاد والمفاتيح؛ ليحول المعاني القلبية من مصطلحات مجردة إلى قواعد يتفقد بها السائر علمه ونيته وعبادته وعلاقاته ووقته حتى يستمر في طريقه إلى الله تعالى.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














