نبذة عن الكتاب:
يربط عبد الله بن المقفع في «الأدب الصغير» صلاحَ المعاش والمعاد بالعقل الصحيح، ثم يجعل الأدب القوة التي تُخرج ما في العقل من استعداد إلى الفعل، فلا قيمة عنده لمعرفة الصواب إذا لم تنته إلى اختيار حسن وعزم ينفذه. ومن هذا الأصل ينتقل إلى تربية الإنسان لنفسه: محاسبتها على ما مضى من أيامها، وإحصاء عيوبها والعمل على محوها، ومراقبة الهوى حين يصادم الرأي، وتعاهد ما يكتسبه المرء من خصال حسنة، واختيار أصحاب العلم والدين والأخلاق الذين يثبتون فيه الخير ويكشفون له عيوبه. ويضبط حياة العاقل بجملة من الموازين العملية؛ فيقسم وقته بين العبادة ومحاسبة النفس ومحادثة الإخوان والراحة المباحة، ويحصر الرغبات الجديرة بالاتباع في التزود للمعاد وإصلاح المعاش واللذة غير المحرمة، ويحذره من استصغار الخطأ لأن الصغائر المتروكة تتراكم حتى تصير فسادًا كبيرًا. ولا يفصل هذه التربية الفردية عن معاملة الناس وتدبير الشأن العام؛ فيبحث اختيار الأعوان، وأعمدة السلطان من حسن الاختيار والتوجيه والتعهد والجزاء، وفائدة المشورة، والحزم، وكتمان السر، والغنى والفقر، والجود والقناعة، والصداقة، وآفات الجهل والحرص والكذب والعجب. ويصرح بأن مادته منتخبة من «كلام الناس المحفوظ»، لكنه لا يعرضها بوصفها ذخيرة من الأقوال، بل يرتبها حول غاية واحدة هي تحويل العقل من ملكة كامنة إلى سيرة تضبط القول والعمل والاختيار.
ويغيّر «الأدب الكبير» زاوية النظر من تهذيب الفرد في ذاته إلى اختباره داخل علاقات السلطة والصحبة والمخالطة؛ فيستهل ابن المقفع كلامه بتقرير فضل المتقدمين الذين حفظوا تجاربهم وأمثالهم لمن بعدهم، ثم ينبه طالب الأدب إلى البدء بالأصول قبل الفروع، ويضرب لذلك أمثلة في الدين وصحة الجسد والشجاعة والجود والكلام والمعيشة. وبعد هذا التمهيد يضع السلطان ومن يحيط به تحت فحص دقيق: ماذا يلزم الوالي في اختيار رجاله، وكيف يجمع بين قوة السلطان وحسن صورته في الرعية، وكيف يتفقد العمال ويجازي المحسن ويبعد العاجز والمسيء، وما الذي ينبغي للوزير وصاحب السلطان من تحفظ وصدق ونصيحة واحتمال لمخالفة رأيه، وتجنب للدالة وحب المدح والغضب والكذب، مع إدراك ما في البلاط من حسد ووشاية وتنافس على المنزلة. ثم ينتقل إلى الإخوان فيجعل الصداقة امتحانًا للأدب والمروءة: بذل المال والنفس للصديق، ونسبة الرأي الحسن إلى صاحبه وعدم سرقته، وإصابة موضع الكلام قبل التفوه به، واختيار الصديق بعد الخبرة، ومواساته، وصيانة اللسان، والاعتذار، والعدل حتى مع العدو، وترك التطاول والمراء وادعاء العلم. وتتسع هذه الوصايا بعد ذلك إلى النساء والمال والعمل والصبر والجد والهزل والحذر من الناس وموازنة القرب والبعد في الصحبة، حتى يختم بصورة للرجل الذي يقل كلامه، ولا يخاصم قبل قيام الحجة، ولا يلوم قبل معرفة العذر، ولا يستشير إلا من يرجو نصيحته، ولا يخص نفسه دون إخوانه باهتمامه وقوته؛ ثم يجعل خير المنزلة أن يحفظ الإنسان قدره فلا يتعالى على من دونه ولا يتصاغر أمام من فوقه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














