
نبذة عن الكتاب:
يَختصر أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني في «الورقات» أهمَّ أبواب أصول الفقه في متنٍ تعليمي شديد التركيز، فيبدأ بتعريف هذا العلم وحدوده، ثم يمر على مباحث الحكم، ودلالات الألفاظ، والأمر والنهي، والعموم والخصوص، والنسخ، والإجماع، والأخبار، والقياس، وترتيب الأدلة، وشروط المفتي والمستفتي، وينتهي بالاجتهاد وأحكام المجتهدين. وقد صيغت عباراته في جمل قصيرة متتابعة تُعرِّف المصطلح وتذكر حكمه أو تقسيمه، ولذلك يصلح المتن مدخلًا يحفظ منه الطالب خريطة العلم ومفرداته الأساسية قبل التوسع في كتب الأصول المطولة.
ويُعرِّف الجويني الأصل بأنه ما بُني عليه غيره، والفرع بأنه ما يُبنى على غيره، ثم يجعل الفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد. وبعد ذلك يذكر الأحكام السبعة: الواجب، والمندوب، والمباح، والمحظور، والمكروه، والصحيح، والباطل، ويحدد كل واحد منها بأثره من الثواب والعقاب أو الاعتداد والنفوذ. فالواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، والمندوب ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، والمباح ما استوى طرفاه من هذه الجهة، والمحظور ما يعاقب على فعله، والمكروه ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله، أما الصحيح فيتعلق به النفوذ ويعتد به، والبطلان بخلاف ذلك.
ويَفصل بين الفقه والعلم والظن والشك، فيجعل العلم معرفة المعلوم على ما هو به، ويميز بين الضروري المكتسب بالحواس أو التواتر، وبين العلم المكتسب المتوقف على النظر والاستدلال. ويعرّف النظر بالفكر في حال المنظور فيه، والاستدلال بطلب الدليل، والدليل بأنه المرشد إلى المطلوب. ثم يجعل الظن تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر، والشك تجويزهما من غير مزية لأحدهما، ويحدد علم أصول الفقه بأنه معرفة طرق الفقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها.
ويَفتتح مباحث الألفاظ بأقسام الكلام، فيذكر أقل ما يتركب منه، ثم يقسمه إلى أمر ونهي وخبر واستخبار، وإلى التمني والعرض والقسم، ثم إلى حقيقة ومجاز. والحقيقة عنده ما بقي في الاستعمال على موضوعه، وقد تكون لغوية أو شرعية أو عرفية، أما المجاز فيكون بالزيادة أو النقصان أو النقل أو الاستعارة، ويورد لكل صورة مثالًا من القرآن الكريم.
ثم يُعرِّف الأمر بأنه استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب، ويجعل صيغته «افعل»، ويحملها عند الإطلاق والتجرد من القرينة على الوجوب، إلا إذا دل دليل على الندب أو الإباحة. ويقرر أن الأمر في أصله لا يقتضي التكرار ولا الفور على الصحيح، وأن الأمر بالفعل يتناول ما لا يتم الفعل إلا به؛ فالأمر بالصلاة يتضمن ما تحتاج إليه من طهارة. ويربط الخطاب كذلك بأهل التكليف، فيخرج الساهي والصبي والمجنون، ويُدخل الكفار في خطاب فروع الشريعة وما لا تصح الفروع إلا به.
ويقابل ذلك بالنهي، فيعرّفه بأنه استدعاء الترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب، ويقرر دلالته على فساد المنهي عنه. كما ينبه إلى أن صيغة الأمر قد تخرج عن أصلها إلى معان أخرى بحسب القرينة، كالإباحة والتهديد والتسوية والتكوين.
وفي العام والخاص يَجعل العام ما تناول شيئين فصاعدًا، ثم يذكر أشهر صيغ العموم من الأسماء المعرفة وأسماء الجموع والأسماء المبهمة وألفاظ الشرط والاستفهام والنكرات في سياق النفي. ويقصر العموم على النطق، ثم يعرّف التخصيص بأنه تمييز بعض الجملة، ويقسمه إلى متصل ومنفصل. والمتصل عنده الاستثناء والشرط والصفة، ويبين شروط الاستثناء واتصاله بالكلام، ويجيز تقديمه والاستثناء من الجنس ومن غيره، كما يقرر حمل المطلق على المقيد في بعض الصور.
ويُجيز تخصيص الكتاب بالكتاب والسنة، وتخصيص السنة بالكتاب والسنة، كما يجيز تخصيص النص بالقياس. وتكشف هذه القواعد عن عنايته بإمكان اجتماع الأدلة وتداخل دلالاتها، فلا يُفهم العام بمعزل عن دليل خاص يحدد بعض أفراده.
ثم يَعرِّف المجمل بأنه ما افتقر إلى البيان، والبيان بأنه إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي، ويذكر النص بوصفه ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا. وبعده يعالج الظاهر والمؤول، فيجعل الظاهر ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر، ويقرر جواز تأويل الظاهر بالدليل.
وفي أفعال النبي صلى الله عليه وسلم يميز بين ما وقع على جهة القربة والطاعة وما وقع على غير ذلك. فإذا دل دليل على الاختصاص حمل الفعل عليه، وإلا بقي باب التأسي مفتوحًا، وقد ذكر اختلاف أصحابه في دلالته بين الوجوب والندب والتوقف. أما الفعل غير التعبدي فيحمل على الإباحة، ويلحق إقرار النبي صلى الله عليه وسلم بالقول أو الفعل بحكم ما صدر عنه، سواء وقع في مجلسه أو بلغه فلم ينكره.
ويُعرِّف النسخ بأنه الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم على وجه لولاه لبقي الحكم ثابتًا، مع تراخي الناسخ عنه. ثم يذكر صوره من نسخ الرسم مع بقاء الحكم، ونسخ الحكم مع بقاء الرسم، والنسخ إلى بدل أو إلى غير بدل، وإلى الأشد أو الأخف. ويجيز نسخ الكتاب بالكتاب، والسنة بالكتاب، والسنة بالسنة، ونسخ المتواتر بالمتواتر، والآحاد بالآحاد أو بالمتواتر، ويمنع نسخ المتواتر بخبر الآحاد.
ويَصل النسخ مباشرةً بمبحث التعارض؛ فإذا تعارض نصان عامان أو خاصان بحث أولًا عن إمكان الجمع، فإن تعذر ولم يُعلم التاريخ توقف، وإن عُلم التاريخ جعل المتأخر ناسخًا للمتقدم. وإذا كان أحد النصين عامًا والآخر خاصًا خُصص العام بالخاص، وإذا كان كل منهما عامًا من وجه وخاصًا من وجه خُص عموم كل واحد بخصوص الآخر.
ثم يَعرِّف الإجماع بأنه اتفاق علماء العصر على حكم حادثة شرعية، ويجعل إجماع هذه الأمة حجة، ويقرر حجيته على من يأتي بعدهم من غير اشتراط انقراض العصر على الصحيح. كما يذكر صور الإجماع القولي والفعلي وما يقع بقول بعض العلماء أو فعلهم مع انتشار ذلك وسكوت الباقين، ويقرر أن قول الواحد من الصحابة رضي الله عنه ليس حجة على غيره على القول الجديد.
وفي الأخبار يَقسم الخبر إلى متواتر وآحاد. فالمتواتر عنده ما يوجب العلم، ويرويه جمع يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه، ويكون أصله عن مشاهدة أو سماع. أما خبر الآحاد فيوجب العمل ولا يوجب العلم، ثم يقسمه إلى مسند ومرسل، فيجعل المسند ما اتصل إسناده، والمرسل ما لم يتصل، ولا يحتج بمراسيل غير الصحابة رضي الله عنهم عنده إلا مراسيل سعيد بن المسيب لما وُجد لها من مسانيد. ويذكر كذلك صيغ الأداء المتعلقة بالسماع والقراءة على الشيخ والإجازة.
ويُعرِّف القياس بأنه رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم، ويقسمه إلى قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه. فقياس العلة تكون فيه العلة موجبة للحكم، وقياس الدلالة يُستدل فيه بأحد النظيرين على الآخر مع كون العلة دالة على الحكم، وقياس الشبه يَرِد في الفرع المتردد بين أصلين. ثم يضع شروطًا للأصل والفرع والعلة والحكم، منها مناسبة الفرع للأصل، وثبوت الأصل بدليل متفق عليه بين الخصمين، واطراد العلة في معلولاتها.
وفي الحظر والإباحة يذكر الخلاف في الأصل في الأشياء: فمن العلماء من يجعله الحظر حتى يرد دليل الإباحة، ومنهم من يجعله الإباحة حتى يرد دليل الحظر. ويعرف استصحاب الحال بأنه إبقاء الأصل عند عدم الدليل الشرعي الناقل عنه.
ثم يَضع قاعدة مختصرة في ترتيب الأدلة، فيقدم الجلي على الخفي، وما يوجب العلم على ما يوجب الظن، والنص على القياس، والقياس الجلي على الخفي. فإذا وجد نص يفسر الأصل عمل به، ومع عدم النص ينتقل إلى استصحاب الحال.
ويَختم المتن بأحكام الفتوى والاجتهاد. فيشترط في المفتي العلم بالفقه أصلًا وفرعًا وخلافًا ومذهبًا، واكتمال أدوات الاجتهاد، ومعرفة ما يحتاج إليه من آيات الأحكام وأخبارها وطرق الاستنباط. أما المستفتي فهو من أهل التقليد، ويعرّف التقليد بقبول قول القائل بلا حجة أو بقبوله من غير معرفة مأخذه، ويقرر أن العالم لا يقلد.
ويُعرِّف الاجتهاد بأنه بذل الوسع في بلوغ الغرض، ثم يقرر أن المجتهد كامل الآلة إذا أصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد. ويذكر الخلاف في تصويب المجتهدين في الفروع، مع رفض القول بتصويب كل مجتهد في أصول الاعتقاد، لأن ذلك يؤدي إلى تصويب المذاهب الباطلة، ويستدل على إمكان الخطأ في الفروع بحديث الأجرين والأجر الواحد.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














