
نبذة عن الكتاب:
يفسِّر عبد الرَّحمن بن يحيى المعلِّمي اليماني في هذه الرسالة قول الله عزَّ وجلَّ في سورة ص: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ}، وما بعدها من دعاء سليمان عليه السَّلام بالمغفرة وسؤاله المُلْك الذي لا ينبغي لأحد من بعده. ويعالج الإشكال المتعلِّق بحقيقة الفتنة والجسد الملقى على الكرسي، وما إذا كانت الآية تدلُّ على وقوع معصية من سليمان عليه السَّلام، ثمَّ يمحِّص أشهر الأقوال المنقولة في تفسير القصَّة.
يبدأ المعلِّمي بتحرير ألفاظ الآية قبل النظر في الرِّوايات؛ فيفسِّر «فَتَنَّا» بالابتلاء والاختبار والامتحان، ويوضِّح أنَّ الفتنة تكون بتعريض العبد لأمر تتجاذبه فيه تقواه وهواه، وقد يثبت فيه العبد وقد يسقط. ومن ثمَّ لا يرى في مجرَّد إخبار الله عزَّ وجلَّ بأنَّه فتن سليمان عليه السَّلام دليلًا على وقوعه في المعصية، لأنَّ لفظ الفتنة يدلُّ في أصله على الابتلاء لا على نتيجة الابتلاء. أمَّا «جَسَدًا» فيحمله على جسم إنسان أو حيوان لا روح فيه، مستدلًّا باستعمال اللَّفظ في القرآن، ويناقش ما أُدخل في بعض المعاجم من إطلاقه على الجنِّ والملائكة، ويرى أنَّ هذا التَّوسُّع بُني على تفسيرات لا تقوم بها حجَّة.
ويفرِّق في قوله تعالى: {ثُمَّ أَنَابَ} بين الإنابة والتَّوبة؛ فالتَّوبة تقتضي سبق مخالفة ذات شأن، أمَّا الإنابة فتصدق على رجوع العبد إلى الله عزَّ وجلَّ وإقباله عليه بعد غفلة وإن لم تسبقها معصية. وعلى هذا الأساس لا يجعل إنابة سليمان عليه السَّلام دليلًا مستقلًّا على اقتراف ذنب. وكذلك لا يستلزم قوله: {رَبِّ اغْفِرْ لِي} ثبوت معصية بعينها، لأنَّ الأنبياء عليهم السَّلام يستغفرون الله عزَّ وجلَّ، وقد يقع منهم ما يعدُّونه تقصيرًا أو اشتغالًا عن الذِّكر من غير أن يكون في الآية نفسها بيان لذنب محدَّد.
ويربط المعلِّمي بين الفتنة والملك من خلال سياق الآيات؛ فمجيء سؤال سليمان عليه السَّلام: {وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} عقب ذكر الفتنة وإلقاء الجسد والإنابة يشعر عنده بأنَّ الحادثة كانت متَّصلة بملكه. كما يستدلُّ باتِّصال قوله: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي} بالإنابة من غير عطف، ثمَّ اقتران طلب المغفرة بطلب الملك، على وجود صلة بين أجزاء القصَّة، ويجعل هذا السِّياق أساسًا لفحص الأقوال الواردة في تفسيرها.
أما القول المنقول عن عدد من المتقدِّمين فيدور على زوال ملك سليمان عليه السَّلام عنه مدَّةً ووقوعه في يد غيره، وقد رُويت معه تفاصيل متباينة؛ منها أنَّ ملكه كان في خاتمه، وأنَّ شيطانًا حصل عليه وتمثَّل بصورته وجلس على كرسيه، بينما أُنكر سليمان وطُرد، ثمَّ عاد إليه خاتمه وملكه. واختلفت تلك الأخبار كذلك في التَّقصير الذي سبق الفتنة؛ فقيل إنَّه احتجب عن مصالح النَّاس ثلاثة أيَّام، وقيل إنَّه غفل عن تمثال كانت امرأة عنده تسجد له مع جواريها، وقيل إنَّه مال بقلبه إلى أحد الخصمين أو وعد بالحكم لقريب امرأته. ولا يتعامل المعلِّمي مع هذه التَّفاصيل على أنَّها ثابتة لمجرَّد ورودها في كتب التَّفسير.
ويقابل ذلك بتفسير نُسب إلى النَّقَّاش، حمل فيه الجسد على الولد الذي جاء ناقص الخِلقة في الحديث الصَّحيح المتعلِّق بعزم سليمان عليه السَّلام على الطَّواف على نسائه ليولد له منهنَّ فرسان يجاهدون في سبيل الله عزَّ وجلَّ، ونسيانه أن يقول: «إن شاء الله». ثمَّ يذكر قول أبي مسلم الأصفهاني الذي جعل الفتنة مرضًا شديدًا أصاب سليمان عليه السَّلام حتى صار كالجسد الملقى على كرسيه، وجعل الإنابة رجوعه إلى الصِّحَّة.
وعند تمحيص هذه الأقوال لا يرى المعلِّمي في الحديث الذي استند إليه النَّقَّاش ما يدلُّ على أنَّه تفسير للآية، كما لا يجد انطباقه عليها ظاهرًا من غير تكلُّف. ويرفض تفسير المرض لأنَّه قائم على الحدس ولا يساعد عليه ظاهر السِّياق. أمَّا الأخبار القديمة فيفرِّق فيها بين أصل قد يكون محفوظًا وبين التَّفاصيل التي دخلتها روايات أهل الكتاب وما اشتملت عليه من تناقضات ومستنكرات؛ فوجود ذلك لا يستلزم عنده إسقاط القدر الذي اتَّفقت عليه الرِّوايات إذا كان خاليًا من النَّكارة وموافقًا لظاهر الآية. ويستأنس كذلك بنقل نفر من السَّلف لهذه القصَّة وعدم إنكارهم لأصلها.
ويرجِّح بعد هذا التَّمحيص احتمالًا لا يجعله خبرًا مقطوعًا به: أن يكون قد وقع من سليمان عليه السَّلام تقصير ممَّا لا تمنع العصمة صدوره من مثله، فابتلاه الله عزَّ وجلَّ بإبعاده عن ملكه، وألقى على كرسيه جسدًا يشبهه وليس إنسانًا ولا مَلَكًا ولا شيطانًا، فظنَّ أصحابه أنَّ الجسد هو سليمان نفسه. ويحتمل أن يكون سليمان عليه السَّلام قد مُنع من الوصول إليهم، أو غُيِّرت صورته، أو عاد إليهم فلم يصدِّقوا أنَّه سليمان لاعتقادهم أنَّ سليمان موجود على كرسيه، فاضطرب أمر الملك حتى أناب إلى ربِّه واستغفره. ويصرِّح المعلِّمي بأنَّ هذا كلَّه في دائرة الاحتمال، لا في دائرة الخبر الثَّابت بتفاصيله.
ويفسِّر في ضوء هذا الاحتمال سؤال سليمان عليه السَّلام ملكًا «لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي» بأنَّه طلب ملكًا عظيمًا مأمونًا من استيلاء متغلِّب عليه، لا رغبةً في حرمان من يأتي بعده من فضل الله عزَّ وجلَّ. فالمقصود أن يكون نصيبه من الملك أعظم ممَّا يُقدَّر لغيره، مع إمكان أن يعطي الله عزَّ وجلَّ غيره ما يشاء. ويرى أنَّ أصل الحادثة قد يكون وقع على نحو قريب من ذلك، ثمَّ تناقل أهل الكتاب القصَّة فأضافوا إليها وحذفوا منها حتى نشأت التَّفاصيل المتداولة في بعض كتب التَّفسير.
ويتدبَّر المعلِّمي بعد ذلك دلالة إيراد القصَّة في القرآن على هذا القدر من الإجمال، فيستخرج منها النَّهي عن القنوط واحتقار من وقعت منه زلَّة ثمَّ تاب، والتحذير من الغلوِّ في تعظيم الأشخاص وتقليد العلماء. فالزَّلَّة لا تمنع صاحبها من بلوغ مراتب عالية من الفضل إذا تاب وأناب، والأنبياء عليهم السَّلام عباد لله عزَّ وجلَّ مفتقرون إليه، وقد يقع من أحدهم ما لا يكون محلًّا للاقتداء. أمَّا العلماء والصَّالحون من غير الأنبياء، فيُعرف خطؤهم بعرض أقوالهم وأفعالهم على الكتاب والسُّنَّة، لا بجعل منزلتهم مانعةً من احتمال الخطأ عليهم.
ويجعل لإجمال القصَّة نفسه دلالة مقصودة؛ فعدم تفصيل نوع الفتنة وحقيقة الجسد وما جرى لسليمان عليه السَّلام قد يحفظ العبر التي سيقت القصَّة لأجلها من الانصراف إلى الجزئيَّات. ويستنبط من ذلك أدبًا في ذكر زلَّات المسلمين: إذا اقتضت المصلحة ذكر زلَّة شخص، اقتُصر على القدر الذي تدعو إليه الحاجة، مع بيان توبته إن تاب وذكر ما له من فضل، ويشير إلى نظير هذا المسلك في كلام أئمَّة الحديث على الرُّواة.
ويخلص المعلِّمي إلى أنَّ التَّفاصيل المشهورة في تفسير القصَّة لا يثبت منها شيء تقوم به الحجَّة، وأنَّ محاولة تجاوز ما أجمله القرآن لا توصل إلا إلى قدر يسير بطريق الاحتمال. أمَّا القدر المجمل الثَّابت في الآيات فيحقِّق مقصود القصص القرآني من الذِّكرى والعبرة والتَّبصرة، كما أنَّ إبقاء تفاصيل الحادثة مجملةً يحقِّق فوائد مستقلَّة، ويرى أنَّ إعادة النظر في ألفاظ الآيات وسياقها وما رُوي في تفسيرها يؤيِّد كون هذا الإجمال مقصودًا.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














