
نبذة عن الكتاب:
يَجعل علي جمعة محمد في كتاب «المصطلح الأصولي ومشكلة المفاهيم» ضبطَ العلاقة بين اللفظ والمعنى مدخلًا لفهم العلوم الشرعية وصيانة مفاهيمها من التحريف؛ إذ ينطلق من أن اضطراب المصطلحات أو نقلها من سياق إلى آخر من غير مراعاة مدلولها الأصلي يُفضي إلى اضطراب في الفهم نفسه، ولا سيما عند قراءة التراث أو محاولة تجديد العلوم الشرعية وإعادة صياغتها. ولهذا رتَّب كتابه في 3 مباحث: مدخل إلى قضية المفاهيم والمصطلحات، ثم دراسة الاصطلاح، ثم تطبيق تفصيلي على مصطلح «القياس» في علم أصول الفقه، لبيان مقدار الدقة التي كان الأصوليون يراعونها في بناء التعريفات وفهم ألفاظها.
ويَبدأ بتصوير المشكلة من خلال تغير دلالات ألفاظ مركزية بين الاستعمال التراثي والاستعمال الحديث، ويضرب لذلك بمصطلح «العلم»، الذي كان يدل في الاستعمال الأصولي على الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل، ثم شاع استعماله ترجمةً لـScience بما يقصره على المعرفة الحسية التجريبية. وينبه إلى أن نقل هذا المدلول الجديد إلى الخطاب العام يغير ما يتبادر من اللفظ، فتظهر عبارات مثل «قضية الألوهية غير علمية» محملة بدلالة لم تكن داخلة في المصطلح التراثي، وينشأ من ذلك خلط بين تغير الاصطلاح وتغير الحقيقة التي يدل عليها. ويُلحق بذلك ألفاظًا أخرى كالدين والحضارة والتراث والحكومة، لبيان أن التغيير الاصطلاحي قد يمتد أثره إلى الإطار الفكري والثقافي كله.
ثم يَردُّ قضية المصطلح إلى «الوضع»، أي جعل اللفظ بإزاء المعنى، ويبين أن الواضع قد يكون اللغة أو الشرع أو العرف العام أو أهل عرف خاص من أصحاب علم أو فن. ومن هنا يميز بين الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية والاستعمال العرفي والمصطلح الفني؛ فلفظ «الصلاة» مثلًا له مدلول لغوي، ثم نقله الشرع إلى عبادة مخصوصة، بينما قد تنقل العامة ألفاظًا أخرى إلى معانٍ غالبة في عرفهم، ثم تنشأ داخل العلوم أو الصناعات ألفاظ موضوعة لمعان لا يفهمها على وجهها إلا أهل ذلك الفن.
ويُفصِّل أنواع الوضع من جهات متعددة؛ فيفرق بين الوضع التحقيقي الذي يدل فيه اللفظ على المعنى بنفسه، والوضع التأويلي الذي ينتقل فيه اللفظ إلى معنى آخر بواسطة علاقة وقرينة، وبين الوضع الشخصي والنوعي، وبين الوضع العام والخاص. ويستعين بهذه التقسيمات لتفسير كيفية نشأة المصطلحات وتطورها، ولإظهار أن المصطلح ليس مجرد لفظ جديد، بل علاقة منظمة بين لفظ ومعنى داخل بيئة معرفية محددة.
ويَضع شروطًا لقيام المصطلح العلمي؛ منها أن توجد مناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي إذا كان الحديث عن اصطلاح لفظي لا عن رمز، وأن يقره جماعة من أهل الفن حتى يخرج من كونه اقتراحًا فرديًا إلى مصطلح مقبول، وأن يتعلق مدلوله بموضوع العلم الذي استعمل فيه. كما يؤكد أن مجرد وضع فرد لفظًا لمعنى لا يجعله مصطلح علم، بل قد يبقى اصطلاحًا شخصيًا ما لم يشع بين أهل التخصص ويستقر استعماله.
ويُعيد في المبحث المخصص للاصطلاح صياغة هذه الشروط بتفصيل أوسع؛ فالمصطلح عنده هو اللفظ الذي تضعه طائفة مخصوصة بإزاء معنى مخصوص مع وجود مناسبة بينه وبين معناه اللغوي. ويشترط خروج اللفظ عن مدلوله اللغوي إلى مدلول خاص، ووجود علاقة بين المدلولين، وشيوع المعنى الجديد بين أهل الفن بحيث ينصرف إليه ذهنهم عند إطلاق اللفظ. أما اللفظ الذي بقي على معناه اللغوي المعروف فلا يصبح مصطلحًا لمجرد كثرة استعمال أهل صناعة له.
ولا يحصر الاصطلاح في المفاهيم المجردة؛ فيناقش إمكان دخوله في أسماء الأدوات والوسائل والأشخاص إذا تحققت فيه عملية الوضع الخاصة. ويضرب بألفاظ تطلق على أشخاص معينين داخل العلوم، مثل «الإمام» و«القاضي» حين ينصرف كل منهما عند طائفة علمية إلى شخص مخصوص، ويميّز ذلك من أسماء الأعلام التي لم يطرأ عليها وضع جديد. كما يقرر أن كثرة الاستعمال المستقر قد تجعل بعض الألفاظ في قوة المصطلح، ولو لم تنشأ ابتداءً باتفاق صريح من أهل الفن.
ويَشرح أن المصطلح الواحد قد تختلف دلالته باختلاف العلوم؛ فلفظ «الكلام» له معنى عند اللغويين، وآخر عند النحاة، وثالث عند الفقهاء، ورابع عند المتكلمين. كما قد يختلف داخل العلم الواحد باختلاف المدارس؛ فالفرض والواجب مترادفان عند جمهور الأصوليين، بينما يفرق الحنفية بينهما بحسب قطعية دليل الحكم وظنيته. وقد يتطور المصطلح نفسه عبر العصور، كما وقع في تعريف «الحكم» عند الأصوليين، حيث تغيرت صياغته بإضافة قيود كشفت عن اختلاف في تحديد ما يدخل تحته من الحكم التكليفي والوضعي.
ويَتناول كذلك تداخل المصطلحات وترادفها وتشابكها؛ فقد يكون للمصطلح أكثر من معنى، ويكون بعض هذه المعاني مشتركًا مع مصطلح آخر، كما في العلة والسبب. ويبين أن كثيرًا من الخلافات قد تتسع لأن المتناظرين يستعملون اللفظ نفسه على معنيين مختلفين، أو يستعمل كل واحد منهما لفظًا مختلفًا لمعنى واحد. ولذلك يميز بين الخلاف اللفظي الذي يزول إذا اتفق الطرفان على المراد، والخلاف المعنوي الذي يبقى أثره بعد فهم مدلول كل قول. ومن هذا الباب يفهم قاعدة «لا مشاحة في الاصطلاح»؛ فهي صحيحة حيث يكون النزاع في الألفاظ مع اتحاد المعنى، لا حيث تختلف المضامين نفسها.
ويُنبه إلى أن هذه القاعدة تفقد شرطها إذا خرج المصطلح من نطاق أهله إلى جمهور لا يعرف مدلوله الفني؛ لأن اللفظ حينئذ يحمل عند السامعين معاني عرفية مختلفة عن المعنى التخصصي، فينشأ التلبيس. ويجعل اتساع وسائل النشر والطباعة والاتصال سببًا في زوال الحاجز القديم بين لغة الجماعات العلمية والخطاب العام، فصارت المصطلحات المتخصصة تتداول خارج بيئتها الأصلية، وأصبح نقلها إلى الجمهور محتاجًا إلى مراعاة ثقافته وإطاره المرجعي، لا إلى الاكتفاء بصحة الاصطلاح داخل قاعة البحث.
ويربط هذا كله بعلم الدلالة، والاشتقاق، والتعريب، والترجمة، لأن انتقال المفهوم من لغة إلى أخرى أو من علم إلى آخر قد يغير حدوده وإن بقي اللفظ ظاهرًا واحدًا. ويقرر أن فهم أي مصطلح يحتاج إلى النظر في معناه داخل العلم نفسه، والمدرسة التي تستعمله، والمرحلة التاريخية التي استقر فيها، وعدم افتراض أن مدلوله ثابت في جميع المواضع. ويضرب لذلك مرة أخرى بمصطلح «العلم» في تعريف القياس؛ إذ استعمل الأصوليون «معلوم» بمعنى مطلق المدرك، ليشمل ما كان علمًا أو ظنًا، لأن القياس يجري في القطعيات والظنيات، لا بمعنى العلم الاصطلاحي الأخص وحده.
ثم يَنتقل إلى التطبيق على مصطلح «القياس»، ولا يقصد مجرد شرح باب القياس، بل اتخاذ تعريف واحد نموذجًا يكشف طريقة الأصوليين في بناء المصطلح. فيبدأ من المعنى اللغوي للقياس وما قيل فيه من التقدير والمساواة والاعتبار والتمثيل والمماثلة، ثم يعرض تعريفات أصولية متعددة؛ فابن الحاجب يجعله «مساواة فرع لأصل في علة حكمه»، وابن السبكي يجعله «حمل معلوم على معلوم لمساواته له في علة حكمه عند الحامل»، ويعتمد في الشرح تعريف البيضاوي: «إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت». ويبين أن اختلاف لفظ التعريف نفسه يكشف تصورًا مختلفًا لحقيقة القياس؛ فمن جعله «مساواة» أمكن أن ينظر إليه بوصفه دليلًا قائمًا، ومن جعله حملًا أو إلحاقًا أو إثباتًا جعله فعلًا لا يتحقق إلا بعمل المجتهد.
ويَشرح ألفاظ تعريف البيضاوي كلمةً كلمة؛ فـ«الإثبات» هو إدراك النسبة، ويشمل بحسب المراد العلم والظن والاعتقاد، و«المعلوم» لا يراد به ما تعلق به العلم اليقيني فقط، بل مطلق المتصور والمدرك حتى يشمل القياس الظني. ويمثل «المعلوم» الأول الأصل أو المقيس عليه، بينما يمثل «المعلوم الآخر» الفرع أو المقيس، ولذلك اختار التعريف لفظ «معلوم» بدل «شيء» ليتسع للموجود والمعدوم ولا يتوقف على خلاف المدارس الكلامية في حد الشيء.
ويُبيِّن أن قول البيضاوي «لاشتراكهما في علة الحكم» يدخل الركن الأهم في القياس، وهو العلة التي يجتمع فيها الأصل والفرع، ولا يشترط تماثل مقدارها، بل يكفي الاشتراك في ذات الوصف، كالإسكار الموجود في الخمر والنبيذ وإن اختلفت قوته. كما يخرج بهذا القيد ثبوت الحكم في الفرع بالنص أو الإجماع، لأن ذلك لا يسمى قياسًا، ويشرح العلة بأنها الوصف الظاهر المنضبط المعرف للحكم، وقد تكون منصوصة أو مجمعًا عليها أو مستنبطة بطريق من طرق الاجتهاد.
ولا يكتفي بشرح عناصر التعريف، بل يناقش الاعتراضات المنطقية الواردة عليه، ومنها دعوى الدور بين تعريف القياس بالإثبات وتوقف بعض صور الإثبات على القياس. ويفرق في الجواب بين توقف التصور وتوقف التصديق؛ فتصور القياس يتوقف على تصور معنى الإثبات على وجه كلي، أما التصديق بثبوت حكم معين في فرع معين فيتوقف على القياس الجزئي ومقدماته الخاصة، وباختلاف جهتي التوقف يندفع الدور.
ويَفرِّق أيضًا بين القياس الأصولي والقياس المنطقي؛ فالقياس الذي يدرسه الأصوليون هو قياس العلة الذي يستعمله الفقهاء في نقل حكم الأصل إلى الفرع لاشتراكهما في العلة، أما القياس عند المناطقة فهو قول مؤلف من قضايا يلزم عنها لذاتها قول آخر. ومن هنا يظهر أن اشتراك العلمين في اللفظ لا يعني اتحاد المصطلح، وأن تعريف المصطلح لا يصح فصله عن موضوع العلم الذي نشأ فيه.
ويكشف هذا التطبيق عن الغاية التي بنى عليها علي جمعة كتابه كله؛ فالتعريف القصير قد يحمل وراء كل كلمة اختيارًا في حقيقة العلم، وموقفًا من أركان المسألة، وتمييزًا عن مدارس أخرى، وضبطًا لما يدخل في المصطلح وما يخرج منه. ولذلك يجعل فهم المصطلحات القديمة شرطًا سابقًا على الدعوة إلى تغييرها أو تجديدها أو تبسيطها؛ لأن حذف لفظ أو استبداله قد لا يكون تغييرًا لغويًا محضًا، بل قد ينقل العلم من تصور إلى تصور آخر أو يمحو خلافًا حقيقيًا كانت الصياغة القديمة تحفظه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














