
نبذة عن الكتاب:
يُؤصِّل أبو بكر محمد بن عبد الله ابن العربي الأندلسي في كتاب «المحصول في أصول الفقه» مسائلَ هذا العلم ابتداءً من حقيقة الفقه والدليل والحكم والتكليف، ثم يَبني عليها مباحث البيان ودلالات الألفاظ والأوامر والنواهي والعموم والتأويل والمفهوم وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم والأخبار والإجماع والقياس والنسخ والترجيح والاجتهاد والتقليد. ويكثر في أثناء ذلك من عرض خلاف المالكية وغيرهم من الأصوليين والفقهاء، ومناقشة أدلتهم، وربط القواعد الأصولية بفروع عملية في العبادات والمعاملات والنكاح والقضاء وغيرها.
ويَفتتح ابن العربي بتعريف الفقه بأنه معرفة الأحكام الشرعية، وأصول الفقه بأنها أدلته، والدليل بأنه الموصل بصحيح النظر إلى المدلول. ثم يقسم أفعال المكلفين إلى واجب ومحظور ومندوب ومكروه ومباح، وينتقد تعريف هذه الأحكام بمجرد الثواب والعقاب، ويختار تعريف الواجب بما يُذم تاركه، والمحظور بما يُذم فاعله، والمندوب بما يُحمد فاعله ولا يُذم تاركه، والمكروه بعكس ذلك. ويقرر أن الحكم ليس صفة قائمة بالفعل نفسه، بل هو خطاب الله تعالى المتعلق به.
ويَبحث بعد ذلك حقيقة المكلف والعقل والعلم والحد، ثم مسائل التكليف الكبرى؛ فيتناول تكليف ما لا يطاق، ويفرق بينه وبين تكليف المحال، ويعرض تكليف المكره والسكران والمجنون والناسي والنائم، وما يترتب على زوال هذه الموانع، ثم يناقش تكليف الكفار بفروع الشريعة، ويستدل على مخاطبتهم بها بما ورد في القرآن الكريم من مؤاخذتهم على ترك الصلاة وإطعام المسكين.
ويُمَهِّد لمباحث الاستدلال اللغوي بعشر سوابق تتصل بطبيعة العبارة وطرق دلالتها؛ فيبحث منشأ اللغات وهل وقع بالتوقيف أو بالمواضعة، ويقرر عدم وجود دليل قاطع يعيّن أحد الطريقين. ثم يتناول الحقيقة والمجاز، ووجود المجاز في القرآن الكريم، والألفاظ اللغوية والدينية والشرعية، وما أحدثه الاستعمال الشرعي في بعض الألفاظ من تخصيص أو تصرف مع بقاء الصلة بأصولها اللغوية.
ويَفحص القياس في اللغة، ويميزه من القياس في الأحكام الشرعية، ثم يتناول صيغ النفي والإثبات، والأسماء المشتركة التي تحتمل أكثر من معنى، والظاهر وغيره من مراتب الدلالة. ويعقد بعد ذلك كلامًا مفصلًا على الاسم والفعل والحرف، ويولي الحروف عناية خاصة لما يترتب على اختلاف معانيها من اختلاف الأحكام؛ فيبحث الباء والواو والفاء وثم، ثم «إنما» و«ما» و«أو» و«من» و«هل» و«أل» و«لو» و«لولا» و«إلى» و«بلى» و«حتى» و«إلا» وغيرها، ويستعين باستعمال العرب والنحو في تحرير دلالاتها.
ويَجعل المعنى هو المقصود الأكبر من مباحث اللغة في الكتاب، ثم ينتقل إلى حقيقة البيان ومراتبه، وما يحتاج إليه الخطاب حتى يؤدي المراد. ومن هذا الأساس تتفرع عنده مسائل الأمر، فيبحث حقيقته وصيغته ودلالته، والأمر بالواحد من أشياء على التخيير، والأمر المتعلق بالوقت، والواجب الموسع، وما يترتب على الامتثال من الإجزاء. ويعرض في مسألة الصلاة المؤقتة الخلاف في تعلق الوجوب بأول الوقت أو آخره، ويناقش حجج من جعل جواز التأخير منافيًا للوجوب.
ويَعقد للنهي كتابًا يقابله بكتاب الأمر، فيجعل حقيقة النهي اقتضاء الترك طلبًا جازمًا، ثم يناقش دلالته على التحريم وما يتصل به من الفساد والإجزاء. ويؤكد أن العقاب لا يُستفاد من مجرد حقيقة طلب الترك نفسها، وإنما يحتاج إلى ما يدل عليه، كما قرر في الأمر أن حقيقة الطلب لا تستوعب وحدها جميع الآثار المترتبة على المخالفة.
ويُفصِّل مسائل العموم فيبحث حقيقته وصِيَغه ومن يدخل في الخطاب العام، وحكم المشترك، والخطاب الوارد على سبب، ودلالة ترك الاستفصال في حكاية الحال، والاستثناء وما يرجع إليه. ويقرر أن ترك النبي صلى الله عليه وسلم الاستفصال في واقعة تحتمل صورًا متعددة قد يجعل جوابه متناولًا لتلك الصور، كما يفرق في الخطاب الوارد بسبب بين ما يستقل لفظه بالمعنى وبين ما لا يُعرف المراد منه إلا بمعرفة سببه.
ثم يُفرد للتأويل كتابًا واسعًا يبدأ فيه بالتفريق بين النص والظاهر والمجمل والعام، ويعرض مسائل المحكم والمتشابه وصرف الألفاظ عن ظواهرها، ويطبق ذلك على آيات وأحاديث وفروع فقهية متعددة. ويقرر أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم ككلام الله تعالى من جهة حمله في الأصل على الحقيقة، ولا يُصرف إلى المجاز إلا بدليل، مع التمييز بين المجاز الشائع والمجاز الغريب النادر. ويستعمل هذه القواعد في مناقشة مسائل الزكاة والوضوء والبيوع والنكاح والقضاء وغيرها.
ويُناقش في هذا الباب علاقة النصوص بالقواعد المستنبطة، فيرد رد الحديث الثابت لمجرد مخالفته أصلًا فقهيًّا مستنبطًا، ويقرر في حديث المصراة أن الخبر الثابت إذا جاء بحكم مخصوص عُمِل به، ولا يُطرح لأن قاعدة أخرى تبدو معارضة له. كما يقدم الخاص على العام عند اجتماعهما، ويستعمل هذا الأصل في رد بعض التأويلات التي ألغت خصوص النص لمصلحة قاعدة أعم منه.
ويُفرد للمفهوم كتابًا يقسمه إلى مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة. فمفهوم الموافقة متفق عليه، ومثاله دلالة النهي عن التأفف للوالدين على تحريم ضربهما. أما مفهوم المخالفة فيعرض فيه خلاف الشافعي وأبي حنيفة وما نُقل في المذهب المالكي، ويناقش تعلق الحكم بالصفة والشرط والزمان والمكان والعدد، ولا يجعل مجرد اللقب دالًا على انتفاء الحكم عما عداه. كما يوازن في بعض الفروع بين دلالة العموم ودلالة المفهوم عند تعارضهما.
ويَبحث المطلق والمقيد، ويذكر أن من المالكية من لا يحمل أحدهما على الآخر لمجرد الإطلاق والتقييد، بل يبقى كل نص على حاله حتى يقوم دليل يقتضي الجمع بينهما، بخلاف العام والخاص اللذين إذا تعارضا حُمل العام على الخاص.
ويَعقد كتابًا لأفعال الأنبياء عليهم السلام، ويَبحث فيه ما يتعلق بعصمتهم وأحكام أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يتناول تقريره وسكوته عما يقع بحضرته، ويجعل سكوته عن القول أو الفعل الذي يعلمه دليلًا على جوازه وصحته من جهة الشرع.
ويُقسِّم الأخبار إلى متواتر وخبر واحد؛ فيعرف المتواتر بما نقلته جماعة يستحيل تواطؤها على الكذب، ولا يحدد له عددًا ثابتًا يتحقق به التواتر في جميع الأحوال. ثم يفصل خبر الواحد، فيميز صورًا تقترن بما يوجب العلم عن الخبر الواحد المطلق الذي يوجب العمل دون العلم، ويستدل على وجوب العمل بخبر الواحد ببعث النبي صلى الله عليه وسلم عماله وولاته أفرادًا إلى الأمصار، وبقبول الصحابة رضي الله عنهم أخبار الآحاد وبناء الأحكام عليها.
ويَبحث ضمن مسائل الأخبار العمل بخبر الواحد فيما تعم به البلوى، وزيادة الراوي الثقة، والقراءة الشاذة، وتخصيص عموم القرآن الكريم بخبر الواحد. ويجيز تخصيص العموم به، ويفرق بين قطعية أصل القرآن الكريم وبين احتمال دلالة ألفاظه، ويستدل بقبول الصحابة رضي الله عنهم الحديث المخصص لعموم آيات المواريث. أما القراءة الشاذة فلا يجعل لها حكم القرآن من جهة الثبوت لمجرد نقلها بطريق الآحاد.
ويُقرِّر حجية الإجماع، ويجعل المعتبر فيه اتفاق أهل العلم والاجتهاد، لا مجرد اشتراك العامة الذين لا تصدر عنهم الفتوى. ويبحث محل الإجماع ودليله، ويستدل عليه من جهة النقل بقول الله تعالى في اتباع سبيل المؤمنين. ثم يمنع إحداث قول ثالث إذا استقر خلاف أهل الاجتهاد في المسألة على قولين، ويقرر أن إجماع أهل كل عصر حجة كإجماع الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن دليل حجية الإجماع لا يختص بقرن دون قرن.
ويُوسِّع الكلام في القياس، فيجعله أصلًا من أصول الشريعة، ويعرفه بما يقرب من حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم أو نفيه لاشتراكهما في وصف. ويبين عناصره من الأصل والفرع والعلة والحكم، ثم يستدل لحجيته بإجماع الصحابة رضي الله عنهم واستعمالهم القياس في النوازل. ويقسم القياس إلى قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه، ويجعل قياس الشبه خلقيًّا أو حكميًّا، ثم يمضي في فصول إثبات العلة ومسالكها والاعتراض عليها وما يقدح فيها.
ويَبحث النسخ في أربعة أبواب، فيناقش حقيقته وجوازه والناسخ وصوره. ويقرر أن النسخ ليس تغيرًا في علم الله تعالى، وإنما يتعلق الحكم بمصلحة في وقت ثم لا يتعلق بها في وقت آخر على وفق العلم السابق. ويجعل الناسخ في الحقيقة الله تعالى، ثم يبحث ما ينسخ به الكتاب والسنة، ويقبل نسخ السنة بالقرآن الكريم إذا ثبتت السنة بطريق قطعي متواتر، أما نسخ الدليل القطعي بخبر الواحد فيرفضه؛ لأن خبر الواحد مظنون ولا يعارض اليقين.
ويُجيز نسخ الحكم مع بقاء التلاوة، ونسخ التلاوة مع بقاء الحكم، ويجعلهما حكمين مستقلين يمكن أن يزول أحدهما ويبقى الآخر. كما يبحث نسخ الأمر قبل وقوع الفعل، ووقت ثبوت النسخ بالنسبة إلى بلوغ المكلف به.
ثم يُفصِّل وجوه الترجيح بين الأدلة، ويقسمه إلى رجحان الألفاظ ورجحان المعاني. ومن وجوه الترجيح عند تعارض الأخبار: تأخر أحد الخبرين، ووثاقة الراوي، وكثرة الرواة، واعتضاد الخبر بعمل الصحابة رضي الله عنهم أو بعمل راويه أو بظاهر من كتاب أو سنة، وموافقته قياس الأصول، واقتضاؤه الاحتياط، وإثباته حكمًا في مقابلة خبر نافٍ. ويذكر كذلك وجوه الترجيح بين العمومات، ثم يجعل ترجيح العلل قائمًا على اعتضاد إحداها بنص أو مرجح، وسلامتها من الاعتراض أو قلتها فيه، وكونها متعدية إلى فروع إذا عارضتها علة واقفة.
ويُعرِّف الاجتهاد بأنه بذل الجهد واستنفاد الوسع في طلب الصواب، ثم يناقش المطلوب من المجتهد، ويختار أن المطلوب بلوغ رجحان الظن؛ إذ يمكن أن تحول عوائق النظر دون الوصول إلى الحكم نفسه أو إلى الأشبه، أما الوصول إلى درجة يغلب فيها الظن فهو ممكن. ثم يتناول مسألة تصويب المجتهدين، ويقرر أن كل مجتهد في الفروع مصيب، لأن كل واحد مأمور بالعمل بما انتهى إليه اجتهاده، والتحليل والتحريم عنده ليسا صفتين ذاتيتين قائمتين بالعين المتنازع فيها.
ويَختم بمباحث التقليد، فيقر بصحته لمن عجز عن النظر والاجتهاد، ويلزم العامي بسؤال أعلم أهل زمانه والعمل بفتواه، ويكتفي في معرفة الأعلم بشهرته بالعلم ولا يشترط بلوغ ذلك حد التواتر. أما القادر على النظر فلا يجوز له تقليد غيره في الأصل، إلا أنه يجيز له التقليد عند خوف فوات الوقت؛ لأن احتمال الخطأ بالتقليد أهون عنده من ضياع الوقت. وإذا تكررت النازلة على المقلد أوجب عليه أن يعيد سؤال العالم، لاحتمال أن يكون اجتهاد المفتي قد تغير منذ السؤال الأول.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














