
نبذة عن الكتاب:
يَدافع موسى شاهين لاشين في كتاب «السنة والتشريع» عن حجية السنة النبوية ووجوب الالتزام بأحكامها في العبادات والمعاملات، ويَرُد على اتجاهٍ يَفصل بين ما ورد في القرآن الكريم وبين الأحكام التي جاءت بها السنة، ويَرُد على من زعم أن بعض الأحكام التي قررها النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المعاملات كانت اجتهادًا خاصًّا بظروف عصره، ومن ثم يجوز تغييرها إذا تغيّرت المصلحة. ويَنطلق الكتاب من واقع كثرت فيه الكتابات والمناقشات حول السنة، مع اتساع دائرة المتصدين للكلام في الحديث والفقه من غير المتخصصين، فيُؤكِّد أن الاجتهاد باب مفتوح، لكن دخوله مشروط بأهلية علمية تُمكِّن صاحبها من فهم القرآن الكريم والسنة وقواعد الاستنباط وعلوم الحديث واللغة وأصول الفقه.
ويُمهِّد لاشين لذلك ببيان ما بذله علماء الأمة في حفظ السنة ونقدها، فيَذكر علوم مصطلح الحديث، والرجال، والجرح والتعديل، والتخريج، ودراسة الأسانيد والحكم على الحديث، ومختلف الحديث، وشرح الحديث، ومناهج المحدثين. ويَجعل هذا البناء العلمي شاهدًا على أن التعامل مع السنة لا يقوم على مجرد قراءة كتب الحديث، بل يحتاج إلى معرفة دقيقة بأحوال الرواة وطرق الرواية وأسباب الضعف ومراتب الحديث وكيفية الجمع بين النصوص واستنباط الأحكام منها.
ثم يَعرض ثلاثة مسالك في الطعن في السنة: الطعن في الرواة وحَمَلة الحديث، والطعن في كتب الحديث وعلى رأسها «صحيح البخاري»، ثم قبول صحة الرواية والإسناد مع توجيه الخطأ إلى ما صدر عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم نفسه في بعض الأمور. ويَجعل المسلك الثالث محور الكتاب؛ لأنه لا ينازع في صدق الرواة ولا في صحة النقل، وإنما يَزعم إمكان صدور أحكام في المعاملات عن اجتهاد بشري من النبي صلى الله عليه وسلم يجوز لمن بعده أن يجتهد بخلافها إذا تغيرت المصلحة.
ويَحدد الدعوى التي يناقشها في عدة أصول: أن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم كان يجتهد وليس كل ما صدر عنه وحيًا، وأنه قد يخطئ في اجتهاده ويُراجعه الصحابة رضي الله عنهم، وأن جانبًا من أحكام المعاملات صدر عنه مراعاةً لمصالح زمنه من غير أن يكون تشريعًا ثابتًا، وأن للأمة بعده أن تعيد النظر في تلك الأحكام وتخالفها إذا رأت المصلحة في غيرها. ومن هنا يَبني لاشين رده على سؤال جوهري: إذا صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم حكم ديني باجتهاد ثم بقي معمولًا به من غير أن يصححه الوحي، فما منزلة هذا الحكم بعد إقرار الله تعالى له؟
ويَبحث اجتهاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فيَذكر اختلاف العلماء فيه؛ فمنهم من منع وقوعه وجعل ما ظاهره الاجتهاد تعليمًا للأمة على صورة الاجتهاد، والجمهور يجيزون له الاجتهاد ويُثبتون وقوعه. ويَقرر لاشين أن الخلاف في أصل الاجتهاد لا يُنتج جواز مخالفة الأحكام النبوية؛ لأن اجتهاده صلى الله عليه وسلم إذا خالف حكم الله تعالى لم يُقَر عليه ونزل الوحي بالتصحيح، وإذا وافق حكم الله تعالى أو أُقر عليه صار الحكم في النهاية شرعًا لله تعالى يجب امتثاله. ويَستدل لذلك بما جاء في القرآن الكريم من عتاب النبي صلى الله عليه وسلم وتصحيح بعض الوقائع، فيَجعل عدم الإقرار على الخطأ عنصرًا حاسمًا في المسألة.
ويُفرِّق بين عموم النص وخصوص المراد منه، فيَشرح أن الخطاب قد يكون عامًا ثم تقوم قرينة على تخصيصه بالأشخاص أو الأزمنة أو الأحوال، ويَضرب لذلك أمثلة من النصوص النبوية. ويَبني على ذلك أن تغير الحكم في صورة معينة لا يعني بالضرورة أن التشريع نفسه صار تاريخيًّا أو مؤقتًا، بل قد يكون النص منذ البداية مرتبطًا بعلة أو حال مخصوصة، فإذا زالت تغير تنزيل الحكم دون أن يكون في ذلك إلغاء للسنة.
ويَناقش تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية، ويَرفض التوسع في جعل شؤون الأكل والشرب واللباس والنوم والعادات خارج دائرة التشريع بإطلاق؛ لأن هذه الأفعال نفسها قد يَرِد فيها واجب ومحرم ومندوب ومكروه ومباح. فالمأكول والمشروب قد يتعلق بهما الحل والحرمة، والأواني قد يَرِد فيها النهي، وهيئة الأكل قد تكون مأمورًا بها أو منهيًّا عنها، أما مجرد اختيار النبي صلى الله عليه وسلم نوعًا مباحًا من الطعام أو هيئةً لم يُلزم بها الأمة فذلك داخل في دائرة المباح. ومن ثم يَحصر ما يصح وصفه بأنه خارج عن وظيفة التشريع في الخبرات والصناعات المحضة، كالزراعة والصناعة وبعض فنون الطب والحرب، حيث يتولى أهل الخبرة معرفة الوسائل الفنية والتجريبية.
ويَرفض كذلك الاحتجاج بالمصلحة في مقابلة النص الصحيح؛ فالمصلحة المعتبرة عند من جعلها أصلًا من أصول الاستدلال لا تُستخدم لإبطال القرآن الكريم أو السنة الصحيحة، وإنما تُراعى حيث لا يوجد نص يعارضها. ويَنقد حمل بعض العبارات الأصولية على أن «النص» يعني القرآن وحده دون السنة، ثم بناء جواز مخالفة الأحاديث على ذلك.
ويُفصِّل في حديث تأبير النخل؛ لأنه العمدة الكبرى في الدعوى التي يَرُد عليها. فيَجمع روايات الحديث التي جاء فيها قول النبي محمد صلى الله عليه وسلم: «أنتم أعلم بأمر دنياكم»، ثم يَربطها بسبب ورودها، وهو تلقيح النخل والخبرة الزراعية. ويُقرِّر أن الزراعة والصناعة والنجارة والطب وفنون الحرب ونحوها من المجالات التي تُكتسب بالتدريب والتجربة والتخصص ليست من وظيفة الرسالة أن تُعلِّم الناس دقائقها الفنية، ولذلك قد يكون صاحب الخبرة في هذه الجزئية أعلم بها ممن لم يمارسها.
ويُحلِّل عبارة «أنتم أعلم بشؤون دنياكم» إلى المخاطبين، والمفضَّل عليه، والشيء الذي هم أعلم به، ثم يَعرض عدة احتمالات لمعناها. ويُرجِّح أن المقصود أهل الصنعة والخبرة فيما تخصصوا فيه، أو أصحاب واقعة تأبير النخل نفسها، لا أن جميع الناس أعلم من النبي صلى الله عليه وسلم بجميع أحكام الدنيا. ويَستبعد إدخال البيع والشراء والربا وسائر المعاملات في الحديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه أمر ونهى وفصَّل فيها، ولو كانت مما أوكل إلى خبرة الناس استقلالًا لما مارس فيها التشريع بهذا الاتساع.
ويَستدل بفهم الصحابة رضي الله عنهم للحديث؛ فلم يفهموا منه أن لهم ترك أوامر النبي صلى الله عليه وسلم في الزواج والبيع والربا وسائر المعاملات بحجة أنهم أعلم بمصالح دنياهم، بل استمروا في امتثال هذه الأحكام. ويَجعل الحد الفاصل بين المجالين أن الخبرة الفنية المحضة تُترك لأهلها، أما إذا تعلق العمل بحقوق الآخرين أو بالحل والحرمة والعدل والظلم دخل في نطاق الشريعة وضوابطها.
ثم يَصنف الشبهات التي يناقشها إلى مجموعات: وقائع ظاهرها أن النبي صلى الله عليه وسلم اجتهد وراجعه الصحابة رضي الله عنهم، ووقائع اجتهد فيها فنزل الوحي مصححًا، وأمور يُدعى أنه أخطأ فيها وبقي الخطأ معمولًا به، وحوادث يُدعى أن الصحابة رضي الله عنهم خالفوا فيها حكمه، وحادثة نُسبت فيها المخالفة إلى التابعين، ومعاملات قيل إنه أقرها أو شرعها بالاجتهاد من غير وحي.
ويَناقش مشورة الحباب بن المنذر في بدر، والخروج يوم أُحد، والتفاوض مع غطفان، فيَجعلها من مسائل الخبرة العسكرية وتقدير مواقع الحرب، فلا يصح نقل حكمها إلى أبواب البيع والإجارة والربا وسائر الأحكام الشرعية. ثم يَتناول وقائع مراجعة الصحابة رضي الله عنهم للنبي صلى الله عليه وسلم، مثل استثناء الإذخر من شجر الحرم أو العدول عن كسر القدور إلى غسلها، ويُبيِّن أن مجرد وقوع المراجعة لا يثبت أن الحكم الأول والثاني كانا منفصلين عن الوحي؛ فقد يَرِد حكم ثم يأتي التخفيف بعد السؤال أو المشقة، كما وقع في أحكام قرآنية معلومة.
ويَجعل الوقائع التي عاتب الله تعالى فيها نبيه صلى الله عليه وسلم، كأسرى بدر وبعض مواضع الإذن والاستغفار والإعراض عن الأعمى، دليلاً على نقيض الدعوى التي يناقشها؛ فهي تُثبت إمكان الاجتهاد، لكنها في الوقت نفسه تُثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يُترك على اجتهاد مخالف للحكم الذي أراده الله تعالى، بل يأتي الوحي بالتصحيح. ولذلك لا يَصح جعل إمكان الخطأ في الاجتهاد النبوي ذريعة إلى مخالفة الأحكام التي استقرت ولم ينسخها الوحي.
ويُطيل في حديث الذباب بوصفه مثالًا لمن يقبل صحة الإسناد ثم يَنسب الخطأ إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ويَرفض هذا المسلك؛ لأن مضمون الحديث يتضمن خبرًا عن وجود الداء والدواء لا يمكن تفسيره بأنه معرفة بشرية عادية متاحة في ذلك العصر، فيَجعله من الأخبار التي تُتلقى بالوحي. كما يُبيِّن أن الأمر بغمس الذباب إذا وقع في الإناء ليس أمرًا بإلقائه فيه ابتداءً ولا إلزامًا بأكل الطعام أو شرب الشراب بعد ذلك، وإنما يعالج حالة وقعت بالفعل، ويرفع الحكم بالتنجيس والتحريم، مع بقاء الإنسان حرًا في الانتفاع بالموجود أو تركه بحسب حاله ونفوره.
ويَرد على دعوى مخالفة الصحابة رضي الله عنهم للأحاديث بتفصيل أمثلة محددة. ففي قول عائشة رضي الله عنها بشأن خروج النساء إلى المساجد يُبيِّن أن أصل الإذن كان مقيدًا بشروط الأمن من الفتنة وعدم التطيب والتزين، وأن كلامها لا يُبطل الحديث. وفي ضالة الإبل يَربط النهي عن التقاطها بعلة أمنها وقدرتها على حفظ نفسها، فلما تغيرت الأحوال في زمن عثمان رضي الله عنه وصارت عرضة للضياع والسرقة، كان التقاطها تحقيقًا لمقصد الحديث لا مخالفة له.
ويَفسِّر على الوجه نفسه تضمين الصناع في زمن علي رضي الله عنه؛ فحديث «لا ضمان على مؤتمن» متعلق بمن تحققت أمانته، فإذا تغيرت أحوال الناس وظهرت الخيانة لم يكن تضمين المتهم خروجًا عن أصل الحديث. ويَستخدم هذه الأمثلة لبيان الفرق بين مخالفة النص وبين تنزيله على علته وتغير الحكم الجزئي بتغير الوصف الذي عُلِّق عليه.
ويَناقش التسعير بوصفه مثالًا نُسب فيه إلى التابعين مخالفة السنة، فيَبيِّن أن امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن التسعير في الواقعة المذكورة لم يكن نهيًا مطلقًا عن كل تسعير، وإنما امتنع عنه خشية الظلم، ولذلك اختلف الفقهاء في جواز التسعير بحسب الظروف. فالاجتهاد في فهم علة الحديث وتطبيقه لا يساوي إلغاءه أو طرحه.
ثم يَتناول القراض وبيع العرايا والسَّلَم، وهي معاملات قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم أقرها أو عدَّل أحكامها باجتهاده مراعاة للمصلحة. ويَقبل أن بعض المعاملات السابقة على الإسلام أقرها النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه يَقرر أن الإقرار النبوي نفسه صار تشريعًا بعد إقرار الله تعالى له، فلا يَصح الاستدلال بأصلها السابق أو باحتمال الاجتهاد في تقريرها على جواز مخالفتها بعد استقرار الحكم. وفي بيع العرايا يَرد على الاستدلال بتغير الحكم بعد الشكوى بأن التدرج والتخفيف بعد المشقة وقع أيضًا في أحكام القرآن الكريم، فلا يدل مجرد الانتقال من حكم إلى آخر على أن الحكم الأول كان رأيًا بشريًا مجردًا من الوحي.
ويُرسِّخ في آخر مناقشته قاعدة أن اجتهاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم -على القول بوقوعه- كان واقعًا في زمن نزول الوحي؛ فما لم يُقَر منه عدَّله الله تعالى، وما استقر ولم يُنقض صار تشريعًا ملزمًا. ولذلك لا يَصح قياس اجتهاد من جاء بعد انقطاع الوحي على اجتهاده صلى الله عليه وسلم، ولا جعل المصلحة المتغيرة طريقًا إلى نقض أحكام السنة الثابتة في المعاملات.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














