
نبذة عن الكتاب:
يَتَتَبَّع علاء الدِّين مغلطاي بن قليج في كتاب «الإنابة إلى معرفة المختلف فيهم من الصَّحابة» الرُّواة والأعلام الذين اختلف أهل الحديث والتَّراجم في ثبوت صحبتهم للنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فيجمع ما قيل في إدخال الواحد منهم في الصَّحابة أو إخراجه منهم، ويوازن بين الرِّوايات وأقوال المصنِّفين في الصَّحابة والطَّبقات والرِّجال والمراسيل والتَّواريخ، ويكشف ما نشأ من الاختلاف عن وهم في الإسناد أو تصحيف في الاسم أو النَّسب أو إسقاط راوٍ أو وصل رواية مرسلة، وما بقي منه محتملًا لا يثبت معه لقاء النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم أو رؤيته وسماعه منه.
ويرتِّب مغلطاي التَّراجم على حروف المعجم، ثمَّ يُفرد الكنى بعد انتهاء الأسماء، ويورد في كلِّ ترجمة من الأقوال والأخبار بقدر ما يكشف وجه الخلاف في الصُّحبة. فقد يكون الرَّجل مذكورًا في كتاب من كتب الصَّحابة، ثمَّ يجده عند غيره في التَّابعين؛ أو تُروى عنه رواية مرفوعة توهم أنَّه سمع النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ثمَّ يظهر من طريق آخر أنَّ الخبر مرسل أو أنَّ بينه وبين النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم صحابيًّا؛ أو يثبت أنَّه أدرك زمن النُّبوَّة وأسلم في حياة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم من غير أن تثبت له رؤية أو سماع، فيبقى موضع النِّزاع بين من وسَّع دائرة الصُّحبة ومن اشترط ثبوت اللِّقاء.
ويستقصي وجوه الاشتباه التي أدخلت بعض التَّابعين في عداد الصَّحابة رضي الله عنهم، فيراجع اختلاف ألفاظ الأسانيد، ويقارن أسماء الآباء والأجداد والكنى والأنساب، ويفرِّق بين المتشابهين إذا اختلط أحدهما بالآخر، ويتعقَّب من حمل رواية شخص على غيره أو جعل اسمًا في السَّند اسمَ صحابيٍّ مع أنَّ الصَّواب خلاف ذلك. وقد يردُّ إثبات الصُّحبة صراحةً إذا رأى أنَّ الخبر لا يدلُّ عليها، كما قد يقوِّي ما نُفي من الصُّحبة بقرائن الرُّؤية أو السَّماع أو إدراك الواقعة، ولا يكتفي في المواطن المشكلة بمجرَّد نقل الحكم إذا وجد ما يقتضي مناقشته.
ويجعل الرِّواية نفسها مادَّةً أساسيَّة في التَّحقيق؛ فيورد الطُّرق المختلفة للحديث، ويقابل بين من قال في الإسناد «عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم» ومن زاد واسطةً من الصَّحابة رضي الله عنهم، وبين من صرَّح بالسَّماع ومن رواه إرسالًا، ويستدلُّ باختلاف هذه الطُّرق على منشأ الوهم في إثبات الصُّحبة أو نفيها. كما ينظر في طبقة الرَّاوي وشيوخه وتلاميذه وسِنِّه وتاريخ مولده ووفاته والأحداث التي شهدها، ليستبين إمكان اللِّقاء من عدمه؛ فقد يردُّ دعوى الصُّحبة لثبوت ولادة الرَّجل في أواخر العهد النَّبوي، أو لكون المعروف من روايته أنَّه أخذ عن الصَّحابة رضي الله عنهم ولم يسمع من النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم.
ويُفَرِّق بذلك بين مجرَّد الإدراك وبين الصُّحبة؛ فإدراك الجاهليَّة والإسلام، أو الإسلام في حياة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، أو الوقوع في طبقة المخضرمين، لا يكفي عنده وحده لإثبات الرُّؤية والسَّماع. ويظهر هذا في تراجم من قيل إنَّهم أدركوا النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يروه، أو أسلموا في حياته وهم في بلد بعيد، أو كانت روايتهم عنه مرسلةً، أو ثبت أنَّهم من كبار التَّابعين على الرَّغم من إدراج بعض المصنِّفين لهم في الصَّحابة. وفي المقابل يستحضر أخبار المغازي والوفود وفتح الأمصار والنَّسب وأعمار الرُّواة لتقوية إمكان الصُّحبة حين تساعد القرائن على ذلك.
ولا يقتصر الكتاب على حكاية الاختلاف، بل يكشف مغلطاي مواطن التَّصحيف والوهم في كتب من تقدَّمه؛ فقد يجد اسمًا جعلته رواية لشخص بينما تدلُّ الطُّرق المحفوظة على أنَّه لشخص آخر، أو ينشأ صحابيٌّ موهوم من قراءة خاطئة لاسم راوٍ، أو تتحوَّل عبارة «عن رجل له صحبة» إلى اسم رجل مخصوص بسبب السَّقط والتَّصحيف. ويقابل لذلك روايات الثِّقات والطرق المتعدِّدة، ويستعين بكتب الأنساب والتَّواريخ لضبط الشَّخصيَّة وتمييزها ممَّن يشابهها في الاسم أو الكنية.
ويعتمد اعتمادًا واسعًا على كتب الصَّحابة والرِّجال التي سبقته، وفي مقدِّمتها كتب أبي موسى المديني، وابن منده، وأبي نعيم، و«أسد الغابة» لابن الأثير، و«الاستيعاب» لابن عبد البر، وكتب البخاري في التَّاريخ، و«الطَّبقات» لابن سعد ومسلم وخليفة بن خياط، وكتب ابن أبي حاتم، وابن حبان، والطَّبراني، والبغوي، وابن قانع، وابن ماكولا، وابن عساكر، إلى جانب «نقعة الصديان فيمن في صحبتهم نظر» للصَّغاني. ويكثر بخاصَّة من مراجعة ما نقله ابن الأثير عن أبي موسى ومقابلته بما وقف عليه مغلطاي بنفسه في أصل كتاب أبي موسى، فينبِّه إلى مواضع الاختلاف بين النَّقلين، كما يستخرج من مصادر أقل تداولًا أخبارًا وأنسابًا وأحكامًا تزيد التَّرجمة تحريرًا.
وتتفاوت التَّراجم في حجمها تبعًا لمادَّة الخلاف؛ فمنها ما يقتصر على ذكر أنَّ أحد العلماء أدرج الرَّجل في الصَّحابة وأنَّ غيره نفى عنه الصُّحبة، ومنها ما يمتدُّ إلى جمع طرق الحديث وأقوال أصحاب كتب الرِّجال والتَّاريخ والأنساب، ثمَّ مناقشة وجوه الاستدلال. ويستخدم عبارات نقديَّة مثل أنَّ القول «فيه نظر»، أو أنَّ الرِّواية «وهم» أو «تصحيف»، أو أنَّها لا تدلُّ على رؤية ولا صحبة، وقد يصرِّح بأنَّ ما ذكره بعض المصنِّفين لا يصح، أو يرجِّح وجهًا في الاسم والنَّسب والإسناد اعتمادًا على تعدُّد المصادر والقرائن.
ويكشف الكتاب من خلال ذلك عن الصِّلة الوثيقة بين علم الصَّحابة ونقد الحديث؛ لأنَّ الحكم بثبوت الصُّحبة يجعل رواية الشَّخص عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم متَّصلةً من هذه الجهة، بينما يؤدِّي نفيها إلى الحكم بإرسالها أو البحث عن الواسطة السَّاقطة. ولهذا تتداخل فيه مباحث معرفة الصَّحابة مع طبقات الرُّواة، والمراسيل، والجرح والتَّعديل، والأنساب، والتَّواريخ، واختلاف الأسماء والكنى، ونقد طرق الحديث، ولا تكون التَّرجمة غايةً مستقلَّة بقدر ما تخدم تحرير مرتبة صاحبها وصلته بالعصر النَّبوي.
ويبلغ التَّرتيب المحفوظ من الأسماء إلى يونس بن شدَّاد الأزدي، وهو التَّرجمة رقم 1125، ثمَّ يبدأ قسم الكنى بأبي إبراهيم الحجبي ويستمرُّ فيما وصل من النُّسخة. غير أنَّ الكتاب المحفوظ ليس كاملًا؛ فقد سقط من أوَّله شيء، إذ تبدأ النُّسخة بإبراهيم أبي إسماعيل الأشهلي من غير افتتاح حرف الألف، كما وقعت أسقاط في مواضع متفرِّقة من أثناء التَّراجم، وتنتهي النُّسخة في قسم الكنى عند حرف الميم قبل تمامه، فلا تمثِّل نهايتها نهاية ما صنَّفه مغلطاي في هذا الباب.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:








