
نبذة عن الكتاب:
يَجْمَع محمد بن علي بن طولون الدمشقي الصالحي في كتاب «إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم» طائفة من الكتب والرسائل التي بعث بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء والقبائل والعمال وغيرهم، مع الأخبار المحيطة بإرسالها وتلقيها والجواب عنها وما ترتب عليها من إسلام أو قبول أو رفض. ويسوق كثيرًا من مادته بالأسانيد، ويضم إليها نقولًا من كتب الحديث والسيرة والمغازي والتخريج، فيورد أحيانًا للكتاب الواحد أكثر من طريق أو صيغة، ويشير إلى ما وقع في بعض الأخبار من اختلاف.
ويفتتح بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ملك الحبشة؛ لأنه أسلم حين بلغه الكتاب وأحسن الرد، فيورد ما اشتملت عليه الدعوة من توحيد الله تعالى والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم وبيان شأن عيسى عليه السلام، ثم يذكر ما نُقل من جواب النجاشي وإقراره بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإسلامه. ويتنبه إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى نجاشي آخر غير الذي صلى عليه بعد موته، مستدلًا بالرواية التي تذكر الكتابة إلى كسرى وقيصر والنجاشي وسائر الملوك ودعوتهم إلى الله عز وجل.
ثم يورد كتابه صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوى في البحرين، وما أعقب الدعوة من إسلامه وقراءته الكتاب على أهل بلده، وانقسامهم بين داخل في الإسلام وباق على اليهودية أو المجوسية. ويثبت جواب النبي صلى الله عليه وسلم في كيفية معاملة هؤلاء، وفرض الجزية على من أقام على يهوديته أو مجوسيته، مع إبقاء المنذر على عمله ما دام صالحًا، كما يذكر تكليف العلاء بن الحضرمي بأخذ الصدقات من الأغنياء وردها في الفقراء، وما كُتب له من فرائض الأموال.
ويعرض بعد ذلك كتابه صلى الله عليه وسلم إلى كسرى ملك فارس، مثبتًا رواية إرسال عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه بالكتاب، وما تضمنه من الدعوة إلى الإسلام والتوحيد وعموم رسالته صلى الله عليه وسلم إلى الناس، ثم يمضي إلى خبر تمزيق كسرى الكتاب ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم عليه بأن يمزق الله تعالى ملكه. ويقارن بين الروايات المختصرة والمطولة، وينقل ما ورد في مصادر الحديث والتخريج من ألفاظ الكتاب وأخبار وصوله.
ويتوسع في كتابه صلى الله عليه وسلم إلى هرقل قيصر الروم، فيسوق قصة أبي سفيان رضي الله عنه حين استدعاه هرقل وسأله عن نسب النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه وصدق حديثه وثبات من يدخل في دينه وأمره ونهيه وسيرته في الحرب والعهد. ويورد استدلال هرقل بهذه الصفات على دلائل النبوة، ثم يثبت نص الكتاب المتضمن الدعوة إلى الإسلام وقوله: «أسلم تسلم»، وتحميله تبعة رعيته إن أعرض، والاستشهاد بآية الدعوة إلى كلمة سواء. ويتبع ذلك بما نُقل عن معرفة هرقل بخروج النبي صلى الله عليه وسلم وموقف عظماء الروم حين دعاهم إلى الإيمان به.
ولا يقصر ابن طولون مادته على ملوك الدول الكبرى، بل يتتبع الرسائل إلى طائفة من زعماء العرب وأقاليم الجزيرة، ومنهم الحارث بن أبي شمر الغساني، وهوذة بن علي الحنفي، وغيرهما ممن اختلفت أجوبتهم بين قبول ورد وطلب نصيب من السلطان. ويورد في هذه المواضع أسماء الرسل الذين حملوا الكتب، وكيف استقبل المرسَل إليهم الدعوة، وما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم تجاه إجاباتهم.
كما يثبت كتبه صلى الله عليه وسلم إلى جماعات اليمن ورؤسائها، ومن ذلك كتابه إلى الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنُّعمان قَيْل ذي رعين ومعافر وهمدان، فيظهر جانب المراسلات المتعلق بتثبيت الإسلام وتنظيم شؤون الجماعات التي دخلت فيه، لا مجرد دعوة من لم يسلم بعد. ويتداخل في هذه الكتب بيان العبادات والصدقات والحقوق والأحكام العملية مع تقرير التوحيد والطاعة.
ويورد أيضًا ما يتصل بالمدعين للنبوة، فيذكر كتاب مسيلمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم الذي ادعى فيه مشاركته في الأمر، وما جرى عند وصول رسوله، فتدخل في مادة الكتاب المراسلات التي تلقاها النبي صلى الله عليه وسلم وأجاب عنها، إلى جانب الرسائل التي بدأ هو صلى الله عليه وسلم بإرسالها. وتتضح بذلك صور متعددة للمكاتبة النبوية: دعوةً، وإدارةً، وتعليمًا، وردًّا على المخاطبات.
ويخصص بعض المواضع للكتب الموجهة إلى ولاته ودعاته، ومن ذلك كتابه صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم الأنصاري رضي الله عنه حين بعثه إلى بني الحارث بن كعب ليفقههم في الدين، ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام، ويأخذ صدقاتهم. فالمكاتبات هنا تحمل وظيفة تشريعية وتعليمية وإدارية، وتشتمل على بيان ما يحتاج إليه العامل في مهمته وما يبلغه للناس من الفرائض والأحكام.
ويصل ترتيبه المرقم إلى الكتاب السادس والعشرين، وهو كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بصير وأبي جندل رضي الله عنهما في سياق ما وقع بعد صلح الحديبية وما كان من اعتراضهما لقوافل قريش، فيربط نصوص الرسائل بالأحداث التي صدرت فيها ويشرح المناسبة التاريخية التي اقتضت الكتاب. ثم يلحق بعد هذه الرسائل جملة أخرى من الكتب المنقولة مجموعةً عن أبي جعفر الدَّيْبَلي، بما يوسع مادة المصنف وراء الأبواب المرقمة السابقة.
وتقوم طريقة ابن طولون على إبقاء جانب الرواية حاضرًا في عرض المكاتبات؛ فيسوق أسانيده في مواضع كثيرة، وينقل عن البخاري ومسلم وابن إسحاق وابن سيد الناس والواقدي والزيلعي وأبي موسى المديني وغيرهم، وقد يجمع روايتين أو أكثر للنص نفسه، أو ينبه إلى اختلاف اسم المرسل إليه أو زمن الإرسال أو تفصيل من تفاصيل الواقعة. ولهذا يضم الكتاب بين دفتيه نصوص المراسلات وما يحيط بها من تاريخ إرسالها وحال حاملها وموقف المخاطَب منها وما ورد في جوابها، فتغدو الكتب النبوية محورًا لجمع أخبار الدعوة والسياسة والتعليم والإدارة في العهد النبوي.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:













