
نبذة عن الكتاب:
يشرح عبد العزيز بن عبد الله الرَّاجحي في هذا الكتاب رسالة شيخ الإسلام تقيِّ الدِّين أحمد بن عبد الحليم ابن تيميَّة في حقيقة الإسلام والإيمان والعلاقة بينهما، وما يتَّصل بذلك من مراتب الدِّين، وحقيقة الإيمان وأجزائه وزيادته ونقصانه، وحكم مرتكب الكبيرة، ودلالة النُّصوص التي يُنفى فيها الإيمان، ومذاهب الفرق في مسمَّى الإيمان والكفر. ويعرض الرَّاجحي كلام ابن تيميَّة مقطعًا مقطعًا، ثمَّ يوضِّح معناه، ويفصِّل ما يتضمَّنه من مسائل، ويذكر الأقوال المخالفة وأدلَّتها، مع أجوبة عن أسئلة متَّصلة بمباحث الدَّرس.
يفسِّر عبد العزيز بن عبد الله الرَّاجحي حديث جبريل عليه السَّلام، ويشرح ما قرَّره ابن تيميَّة من دلالته على مراتب الدِّين الثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان. فقد أجاب النَّبيُّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم عن الإسلام بالأعمال الظَّاهرة من الشَّهادتين والصَّلاة والزَّكاة والصَّوم والحجِّ، وعن الإيمان بالأصول الباطنة السِّتَّة: الإيمان بالله عزَّ وجلَّ وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرِّه، ثمَّ عرَّف الإحسان بعبادة الله عزَّ وجلَّ كأنَّ العبد يراه، فإن لم يكن يراه فإنَّ الله عزَّ وجلَّ يراه. ويبيِّن الرَّاجحي أنَّ الإحسان أعلى هذه المراتب، يليه الإيمان ثمَّ الإسلام.
ويفصِّل الرَّاجحي الخلاف في دلالة الإسلام والإيمان، فيذكر القول بأنَّ الإسلام هو النُّطق بالشَّهادتين والإيمان أعمُّ منه، والقول بترادفهما، والقول بأنَّ الإسلام للأعمال الظَّاهرة والإيمان للأعمال الباطنة. ثمَّ يشرح أنَّ دلالتهما تختلف بحسب اجتماعهما وافتراقهما؛ فإذا اجتمعا اختصَّ الإسلام بالأعمال الظَّاهرة والإيمان بالأعمال الباطنة، كما في حديث جبريل عليه السَّلام، وإذا انفرد أحدهما دخل فيه الآخر وشمل أعمال الظَّاهر والباطن. ويذكر نظائر لهذه القاعدة في الألفاظ التي تتَّسع دلالتها عند الانفراد وتتخصَّص عند الاقتران، كالبرِّ والتَّقوى، والفقير والمسكين، والرُّبوبيَّة والألوهيَّة.
ويعرِّف الرَّاجحي الإيمان شرعًا بأنَّه تصديق القلب، وإقرار اللِّسان، وعمل القلب والجوارح، ويقسِّم ما يدخل فيه إلى أربعة أصول: قول القلب، وهو التَّصديق والإقرار والمعرفة؛ وقول اللِّسان، ومنه النُّطق بالشَّهادتين والذِّكر وتلاوة القرآن والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر؛ وعمل القلب، ومنه النِّيَّة والإخلاص والصِّدق والمحبَّة والتَّوكُّل والرَّغبة والرَّهبة؛ وعمل الجوارح، كالصَّلاة والصِّيام والزَّكاة والحجِّ. ويشرح بذلك عبارة السَّلف في أنَّ الإيمان قول واعتقاد وعمل، وأنَّه يزيد بالطَّاعة وينقص بالمعصية.
وعند بيان الأقوال المخالفة في حقيقة الإيمان، يشرح الرَّاجحي مذاهب طوائف المرجئة وموضع مخالفتها لأهل السُّنَّة. فالجهميَّة تجعل الإيمان معرفة الرَّبِّ بالقلب، والكرَّاميَّة تجعله النُّطق باللِّسان والإقرار به، والماتريديَّة والأشاعرة يجعلونه تصديق القلب مع إخراج قول اللِّسان وعمل الجوارح من حقيقته، أمَّا مرجئة الفقهاء فيجعلونه تصديق القلب وإقرار اللِّسان مع إخراج أعمال الجوارح من مسمَّاه. ويبيِّن كذلك موضع الخلاف بين مرجئة الفقهاء وجمهور أهل السُّنَّة؛ إذ يوجب مرجئة الفقهاء الأعمال لكنَّهم لا يدخلونها في مسمَّى الإيمان.
وتتفرَّع عن حقيقة الإيمان مسألة زيادته ونقصانه؛ فيشرح الرَّاجحي قول جمهور أهل السُّنَّة بأنَّ الإيمان متعدِّد ومتبَعِّض، يزيد بالطَّاعة وينقص بالمعصية، ويعارض القول بأنَّه حقيقة واحدة لا تقبل الزِّيادة والنُّقصان. فالمعصية تنقص إيمان صاحبها وتضعفه، لكنَّها لا تستلزم زوال أصل الإيمان كلِّه، كما أنَّ تفاوت النَّاس في أعمال القلوب والجوارح يقتضي تفاوتهم في الإيمان. ويربط الرَّاجحي هذه المسألة بإدخال العمل في مسمَّى الإيمان؛ لأنَّ من أخرج الأعمال منه انتهى إلى القول بعدم زيادته ونقصانه.
ويشرح الرَّاجحي موقف ابن تيميَّة من مرتكب الكبيرة في مقابل الخوارج والمعتزلة والمرجئة. فالخوارج يجعلون مرتكب الكبيرة كافرًا، والمعتزلة يخرجونه من الإيمان ولا يدخلونه في الكفر في الدُّنيا، ويقولون بخلوده في النَّار في الآخرة، أمَّا المرجئة فيترتَّب على أصلهم إثبات الإيمان له مع إخراج العمل من حقيقته. ويقرِّر الشَّرح أنَّ مرتكب الكبيرة لا يُسلب أصل الإيمان بمجرَّد معصيته، ولا يوصف بالإيمان الكامل، بل يكون معه من الإيمان بقدر ما معه من التَّصديق والطَّاعة، وينقص إيمانه بقدر ما اقترفه من المعاصي.
ومن أهمِّ المسائل التي يفصِّلها الرَّاجحي دلالة النُّصوص التي تنفي الإيمان عن بعض العصاة، وفي مقدِّمتها قول النَّبيِّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا يزني الزَّاني حين يزني وهو مؤمن». فيبيِّن أنَّ المنفيَّ هو كمال الإيمان، أمَّا أصل الإيمان فلا يزول بمجرَّد وقوع المسلم في الزِّنا أو السَّرقة أو شرب الخمر. ويطبِّق القاعدة نفسها على الأحاديث التي ورد فيها نحو «لا يؤمن أحدكم» عند ترك خصلة من خصال الإيمان الواجبة، فيكون النَّفي متعلِّقًا بما نقص من الإيمان بحسب دلالة النَّصِّ، ولا يلزم منه الحكم بالكفر.
ويأخذ قوله تعالى في الأعراب: «قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا» حيِّزًا واسعًا من المناقشة؛ إذ يشرح الرَّاجحي استدلال ابن تيميَّة بالآية على وجود قسم من المسلمين ثبت لهم الإسلام ولم يتحقَّق فيهم الإيمان الكامل. فلا يحمل الآية على أنَّ الأعراب كانوا جميعًا منافقين، بل يبيِّن أنَّ معهم أصل الإيمان الذي يصحُّ به إسلامهم، مع ضعفهم عن مرتبة المؤمنين الذين وصفهم الله عزَّ وجلَّ بأنَّهم آمنوا ولم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم. ويقارن ذلك بنفي الإيمان عن الزَّاني والسَّارق وشارب الخمر، إذ يجتمع في الموضعين ثبوت أصل الإسلام ونقص كمال الإيمان.
ويفرِّق الرَّاجحي في هذا السِّياق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق؛ فالفاسق الملِّيُّ الذي ارتكب بعض الكبائر أو قصَّر في بعض الواجبات يكون معه مطلق الإيمان، أي أصله، وينفى عنه الإيمان المطلق بمعنى الإيمان الكامل. ولذلك لا يكون هذا المسلم منافقًا محضًا في الدَّرك الأسفل من النَّار، ولا يكون في مرتبة المؤمنين الذين حقَّقوا الإيمان، بل تجتمع فيه طاعات ومعاصٍ وحسنات وسيِّئات. ويشرح الرَّاجحي أنَّ إدراك هذه المرتبة يرفع الإشكال الذي أدَّى بالخوارج إلى تكفير العصاة وبالمرجئة إلى عدم اعتبار أثر المعصية في الإيمان.
ويتَّصل بذلك البحث في مسمَّى الكفر؛ إذ يشرح الرَّاجحي أنَّ الكفر، كما أنَّ الإيمان لا ينحصر في أمر واحد، قد يكون بالاعتقاد أو القول أو العمل. فيذكر من أمثلته جحد أصل من أصول الإيمان، والاعتقاد الباطل المناقض له، والأقوال والأفعال التي تكون في نفسها كفرًا. ويناقش بذلك قول من حصر الكفر في جحود القلب وجعل الأقوال والأفعال المكفِّرة مجرَّد علامات على كفر باطن؛ لأنَّ أصل تعريف الإيمان عند أهل السُّنَّة يدخل فيه قول القلب واللِّسان وعمل القلب والجوارح، ويقابله وقوع الكفر بهذه الجهات كذلك.
ويعرض الشَّرح أحكام الوعيد الوارد في أصحاب الكبائر، ومن ذلك الأحاديث التي جاء فيها نفي دخول الجنَّة عن بعض العصاة. فيحمل الرَّاجحي هذه النُّصوص على الوعيد، فلا يلزم منها أنَّ صاحب الكبيرة كافر مخلَّد في النَّار، بل قد يُعاقب على كبيرته ثمَّ يكون مآله إلى الجنَّة إذا مات على أصل الإيمان. ويفرِّق في هذا الموضع بين الخلود الأبديِّ الذي لا نهاية له، وهو خلود الكفَّار، وبين طول المكث في العذاب لبعض العصاة، مع التَّنبيه إلى اختلاف الحكم إذا استحلَّ المسلم ما ثبت تحريمه.
ويبيِّن الرَّاجحي في آخر هذه المباحث أنَّ المسلمين لا ينحصرون في منافق محض ومؤمن كامل، بل يوجد بينهم من معه أصل الإيمان مع نقصه بالمعاصي وترك بعض الواجبات. وهذا القسم قد تكون معه حسنات وطاعات، وتكون عليه في الوقت نفسه كبائر وسيِّئات يستحقُّ بسببها الوعيد، من غير أن يلحق بالكفَّار المخلَّدين في النَّار. ويشرح بذلك وجه الجمع بين النُّصوص التي تثبت الإسلام لبعض النَّاس والنُّصوص التي تنفي عنهم الإيمان، وبين نصوص الوعد والوعيد، مع إبقاء الفرق بين أصل الإيمان وكماله، وبين المعصية التي تنقص الإيمان والكفر الذي يزيل أصله.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














