رسالة في التعصب المذهبي لعبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني PDF

القسم:كتب أصول الفقه وقواعده
نبذة عن الكتاب:
يَفْحَص عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني في هذه الرسالة نشأة التقيُّد بالمذاهب وآثاره في النظر الفقهي، منطلقًا من أصل أن الدين شرع الله تعالى، وأن مأخذه كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مباشرةً لمن تيسَّر له النظر فيهما، أو بواسطة الثقات عند العجز عن ذلك. ويقرر أن العالم مهما بلغ من العلم معرَّض للخطأ؛ فقد تخفى عليه بعض دلالات الكتاب، أو لا تبلغه السنة، أو يخطئ في تصحيح الأخبار وتضعيفها أو في الترجيح بينها، ولذلك لا تثبت العصمة لأحد من الأئمة، ويلزم العالم الرجوع إلى الحق متى تبيَّن له خطؤه.
ويستدل بأحوال الأئمة أنفسهم على أن مذاهبهم لم تنشأ ابتداءً بالصورة التي استقرت عليها في العصور اللاحقة؛ فقد كانوا يجتهدون ويفتون بما ظهر لهم أنه الحق، ثم يرجعون عن أقوالهم إذا بان لهم خطؤها، ولا يرون أقوالهم ملزمة لمن ظهر له الدليل بخلافها. ويذكر أن بعض الأحاديث الصحيحة قد لا تبلغ إمامًا، أو تبلغه من طريق لا يثبت عنده، بينما تثبت عند غيره من وجه آخر، كما كان بعض الأئمة يعرف من السنة ما لم يبلغ من تقدمه. ومن هنا كانت كتبهم وسيلةً لتبليغ السنة، وبيان دلالاتها، وتعليم طرق النظر والاستنباط، لا دعوةً إلى التسليم بأقوالهم من غير حجة؛ ولهذا نهوا أصحابهم عن تقليدهم، وأمروهم بالنظر لدينهم واتباع الدليل.
ويُبَيِّن أن العامة في تلك المرحلة لم يكونوا ملتزمين عالمًا بعينه ولا مذهبًا محددًا، وإنما كان العامي يستفتي من يلقاه من أهل العلم، فإذا تبين له خطأ الفتوى رجع إلى ما ترجح عنده أو احتاط لدينه. ثم امتاز بعض العلماء بسعة العلم والفضل والتجرد لنشره، فكثرت طبقات أصحابهم، واشتد اعتناؤهم بأقوالهم، فنشأت المذاهب حول هؤلاء الأئمة. غير أن هذا الانتساب تحول مع ضعف الهمم وقلة العلماء واشتداد دواعي الهوى إلى تقيُّد بالمذاهب، ثم استحكم حتى صار أتباع كل مذهب يتنافسون في تكثير المنتسبين إليه، وما صاحب ذلك من خصومات ومحن وفتن.
ويتتبع ما أحدثه هذا التقيُّد في صناعة الفقه؛ إذ سعى المتفقهة إلى جعل المذهب مستوعبًا لما يجد من الوقائع، ففرعوا على أقوال الإمام مسائل لم ينص عليها، واتخذوا تلك الأقوال أصولًا يقيسون عليها ويشبهون بها، ثم جاءت طبقات لاحقة فاتخذت أقوال من قبلها أصولًا جديدة يُخَرَّج عليها غيرها، حتى تراكمت الفروع والوجوه والتخريجات. ولم يقف الأمر عند الوقائع المحتملة، بل امتد إلى فرض صور نادرة أو بعيدة الوقوع، مع ما ينشأ عن هذه الاجتهادات أحيانًا من مخالفة نصوص الشرع ومقاصده، بل ومن مخالفة كلام الإمام نفسه أو كلام قدماء أصحابه.
ويُنَبِّه إلى ما يترتب على هذا التراكم من كثرة الخلاف داخل المذهب الواحد، وتعارض وجوه التصحيح والترجيح، مع بقاء العناية بالكتاب والسنة في الأمة وعدم انقطاعها. ثم يميز بين مراتب المنتسبين إلى المذاهب: فمنهم عالم مستقل لا يتجاوز انتسابه المذهبي الاسم، ومنهم ملتزم بالمذهب ولكنه إذا ظهر له رجحان الدليل المخالف أخذ بالدليل، ومنهم متقيد لا يستطيع الخروج عن المذهب في شيء. ويربط مقدار الإنصاف في النظر إلى الأدلة بدرجة التعلق بالمذهب؛ فكلما اشتدت الرغبة في الانتصار له عظم احتمال الحَيْف على الدليل أو تحميله ما لا يحتمل.
ويشتد نقده لمن يتحول من طالب للحق إلى «محامٍ» عن مذهبه، فيجعل غايته إثبات قول أصحابه ودفع قول المخالف بأي طريق، بدل أن يزن القولين بميزان الدليل. ويصور هذا المسلك بما يقع من المحامي المتعصب من طلب وجوه الدفع لموكله، ثم يقيس عليه ما وقع من بعض المدافعين عن المذاهب من محاولة تقوية أدلة مذهبهم والطعن في أدلة مخالفيهم. كما يلفت إلى مفارقة أن أشد الناس تعصبًا لمذهبه قد يُمدَح عند أصحابه بقوة العارضة والصلابة في المذهب، بينما يُرمى من خالفهم، ولو كان مستقلًا متحريًا للدليل، بالتعصب واتباع الهوى.
ويجعل الإنصاف وتحرِّي الحق ميزانًا يكشف به خلل التعصب؛ فمن وطن نفسه على العدل علم أن علماء مذهبه، كغيرهم، غير معصومين من الخطأ والميل، وأن كل مذهب لا بد أن تشتمل بعض فروعه على ما يخالف الحق. وحينئذ يكون الانتصار لتلك الفروع لمجرد كونها من المذهب سببًا للحَيْف على الأدلة، أما الطريق السليم فهو بقاء الولاء للحق مقدمًا على الولاء للقول أو المدرسة أو الإمام، مع حفظ مكانة الأئمة ومعرفة قدرهم من غير رفع أقوالهم إلى منزلة لا تقبل المراجعة بالدليل.
ويستدل بأحوال الأئمة أنفسهم على أن مذاهبهم لم تنشأ ابتداءً بالصورة التي استقرت عليها في العصور اللاحقة؛ فقد كانوا يجتهدون ويفتون بما ظهر لهم أنه الحق، ثم يرجعون عن أقوالهم إذا بان لهم خطؤها، ولا يرون أقوالهم ملزمة لمن ظهر له الدليل بخلافها. ويذكر أن بعض الأحاديث الصحيحة قد لا تبلغ إمامًا، أو تبلغه من طريق لا يثبت عنده، بينما تثبت عند غيره من وجه آخر، كما كان بعض الأئمة يعرف من السنة ما لم يبلغ من تقدمه. ومن هنا كانت كتبهم وسيلةً لتبليغ السنة، وبيان دلالاتها، وتعليم طرق النظر والاستنباط، لا دعوةً إلى التسليم بأقوالهم من غير حجة؛ ولهذا نهوا أصحابهم عن تقليدهم، وأمروهم بالنظر لدينهم واتباع الدليل.
ويُبَيِّن أن العامة في تلك المرحلة لم يكونوا ملتزمين عالمًا بعينه ولا مذهبًا محددًا، وإنما كان العامي يستفتي من يلقاه من أهل العلم، فإذا تبين له خطأ الفتوى رجع إلى ما ترجح عنده أو احتاط لدينه. ثم امتاز بعض العلماء بسعة العلم والفضل والتجرد لنشره، فكثرت طبقات أصحابهم، واشتد اعتناؤهم بأقوالهم، فنشأت المذاهب حول هؤلاء الأئمة. غير أن هذا الانتساب تحول مع ضعف الهمم وقلة العلماء واشتداد دواعي الهوى إلى تقيُّد بالمذاهب، ثم استحكم حتى صار أتباع كل مذهب يتنافسون في تكثير المنتسبين إليه، وما صاحب ذلك من خصومات ومحن وفتن.
ويتتبع ما أحدثه هذا التقيُّد في صناعة الفقه؛ إذ سعى المتفقهة إلى جعل المذهب مستوعبًا لما يجد من الوقائع، ففرعوا على أقوال الإمام مسائل لم ينص عليها، واتخذوا تلك الأقوال أصولًا يقيسون عليها ويشبهون بها، ثم جاءت طبقات لاحقة فاتخذت أقوال من قبلها أصولًا جديدة يُخَرَّج عليها غيرها، حتى تراكمت الفروع والوجوه والتخريجات. ولم يقف الأمر عند الوقائع المحتملة، بل امتد إلى فرض صور نادرة أو بعيدة الوقوع، مع ما ينشأ عن هذه الاجتهادات أحيانًا من مخالفة نصوص الشرع ومقاصده، بل ومن مخالفة كلام الإمام نفسه أو كلام قدماء أصحابه.
ويُنَبِّه إلى ما يترتب على هذا التراكم من كثرة الخلاف داخل المذهب الواحد، وتعارض وجوه التصحيح والترجيح، مع بقاء العناية بالكتاب والسنة في الأمة وعدم انقطاعها. ثم يميز بين مراتب المنتسبين إلى المذاهب: فمنهم عالم مستقل لا يتجاوز انتسابه المذهبي الاسم، ومنهم ملتزم بالمذهب ولكنه إذا ظهر له رجحان الدليل المخالف أخذ بالدليل، ومنهم متقيد لا يستطيع الخروج عن المذهب في شيء. ويربط مقدار الإنصاف في النظر إلى الأدلة بدرجة التعلق بالمذهب؛ فكلما اشتدت الرغبة في الانتصار له عظم احتمال الحَيْف على الدليل أو تحميله ما لا يحتمل.
ويشتد نقده لمن يتحول من طالب للحق إلى «محامٍ» عن مذهبه، فيجعل غايته إثبات قول أصحابه ودفع قول المخالف بأي طريق، بدل أن يزن القولين بميزان الدليل. ويصور هذا المسلك بما يقع من المحامي المتعصب من طلب وجوه الدفع لموكله، ثم يقيس عليه ما وقع من بعض المدافعين عن المذاهب من محاولة تقوية أدلة مذهبهم والطعن في أدلة مخالفيهم. كما يلفت إلى مفارقة أن أشد الناس تعصبًا لمذهبه قد يُمدَح عند أصحابه بقوة العارضة والصلابة في المذهب، بينما يُرمى من خالفهم، ولو كان مستقلًا متحريًا للدليل، بالتعصب واتباع الهوى.
ويجعل الإنصاف وتحرِّي الحق ميزانًا يكشف به خلل التعصب؛ فمن وطن نفسه على العدل علم أن علماء مذهبه، كغيرهم، غير معصومين من الخطأ والميل، وأن كل مذهب لا بد أن تشتمل بعض فروعه على ما يخالف الحق. وحينئذ يكون الانتصار لتلك الفروع لمجرد كونها من المذهب سببًا للحَيْف على الأدلة، أما الطريق السليم فهو بقاء الولاء للحق مقدمًا على الولاء للقول أو المدرسة أو الإمام، مع حفظ مكانة الأئمة ومعرفة قدرهم من غير رفع أقوالهم إلى منزلة لا تقبل المراجعة بالدليل.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:
روابط القراءة والتحميل
إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم














