يُناقش أبو علي الفارسي في «المسائل البصريات» طائفة واسعة من دقائق العربية أملاها في جامع البصرة، فجاء الكتاب في 179 مسألة تتعاقب بحسب ما عَرَض له من سؤال أو رواية أو شاهد أو قولٍ لنحوي متقدم. ويستهل أولى مسائله بمناقشة ما نُقل عن الأخفش والمبرد في عطف الجمل واختلاف مواضعها من الإعراب، ثم يسترسل على هذا النهج فيُمحِّص الأقوال، ويكشف ما يترتب عليها من لوازم، ويقيس النظير على نظيره، ويستدعي الأصول التي تنتظم الجزئيات المتفرقة. ولا تنتظم «البصريات» في أبواب تعليمية متتابعة على طريقة كتب النحو الجامعة؛ فالوحدة فيها هي «المسألة»، وقد تطول حتى تتحول إلى مناظرة دقيقة تتوالد فيها الاعتراضات والأجوبة والاحتمالات، وقد تقصر إلى توجيه لفظة أو وزن أو تركيب.
ويَنفذ أبو علي من هذه المسائل إلى أصول النحو والتصريف جميعًا؛ فيبحث العامل والمعمول، والجملة وموضعها، والعطف، والنيابة عن الفاعل، والمفاعيل، والحال، والتنازع، وأسماء الأفعال، وأحكام «كان» وأخواتها، و«ما» المشبهة بـ«ليس»، والقسم، والتوكيد، وغيرها من قضايا التركيب، كما يتوسع في التصغير والإعلال والإبدال والقلب والزيادة والحذف والأوزان والاشتقاق والنسب وبنية الألفاظ. ويكثر في ذلك من استحضار كلام سيبويه والخليل والأخفش والمبرد والجرمي والكسائي والفراء وثعلب وغيرهم، فيوافق ويخالف ويعترض، وقد يكشف عن تناقض بين قولين منقولين عن العالم نفسه، ثم يختار ما يراه أقوى قياسًا أو أصح موافقةً للاستعمال. وتظهر شدة عنايته بالقياس في ردِّ التأويل الذي يراه خارجًا عن أبنية العربية أو مخالفًا لما اطّرد في كلامها، كما تظهر عنايته بالسماع حين يمنع تعدية الحكم إلى ما لم تثبت له نظائر.
وتتداخل في «البصريات» الصناعة النحوية بالصرف واللغة وتفسير الشواهد؛ فأبو علي يَفحص أبيات امرئ القيس وعنترة ولبيد والفرزدق وغيرهم، ويستشهد بالقرآن الكريم وقراءاته، ويحلل الألفاظ الغريبة وأصولها وأوزانها، وقد يجعل الشاهد الواحد ميدانًا لاختبار أكثر من احتمال قبل ترجيح أحدها. وتكشف المسائل الأخيرة عن استمرار هذا المنهج إلى نهاية الكتاب؛ ففيها مباحث في «كلا»، وعمل الفعل مع الاستفهام، وتعلّق الظروف، والحال، والقسم، وإعمال أحد العاملين المتنازعين، ويختم بمناقشة رأي الجرمي في باب التنازع مستدلًا بالقرآن الكريم على جواز إعمال الثاني من غير حرف عطف. وهكذا تُظهر «المسائل البصريات» عقل أبي علي النحوي في حال الممارسة: يَعرض المسألة، ويُفرِّع احتمالاتها، ويختبرها بالسماع والقياس والنظائر، ثم يختار ما يستقيم عنده مع أصول العربية ونظامها.