يُمحِّص أبو علي الفارسي في «المسائل الحلبيات» طائفةً من دقائق العربية تتداخل فيها صناعة النحو والتصريف والاشتقاق والدلالة والقراءات، فيجعل المسألة الواحدة ميدانًا لتتبّع الأصل اللغوي، وموازنة النظائر، واختبار ما يجيزه القياس بما ثبت من كلام العرب. وقد وصل الكتاب ناقصَ الأول، إذ تفيد الطبعة المتوفرة أن نحو كراسين سقطا من أوله، ثم تتوالى مادته المحفوظة في مسائل مستقلة متفاوتة الطول؛ فمنها البحث في أصل «يد» وتصريفاتها، ودلالة «السبيل»، واستعمال «الرقبة» و«الرأس» و«الفرج» و«اليد»، وأصول «الداء» و«الدواء» وجموعهما، ومنها دراسة «رأى» وما يعتري همزته ولامه من تحقيق وتخفيف وحذف وقلب وإمالة.
ويَعرض أبو علي أقوال سيبويه والخليل والمبرد والأخفش وأبي عثمان المازني وأبي زيد وثعلب وغيرهم، ثم يُناقشها على ضوء السماع والقياس، وقد يرد القول أو يُضعِّفه أو يختار وجهًا غيره. ويظهر أساس منهجه بجلاء حين يقرر أن القياس لا يُقدَّم على السماع إذا ثبت الاستعمال؛ لأن التمسك بالقياس مع إغفال المسموع قد يُفضي إلى النطق بما ليس من لغة العرب. ومن هنا تتكاثر في الكتاب المقارنات بين المطّرد والنادر، والأصل والبدل، والقياسي والمحْفوظ، ويُستدل بالقرآن الكريم وقراءاته والشعر ولغات العرب على تصحيح بناء أو إبطال اشتقاق أو توجيه حركة وحذف وإبدال. كما تمتد المناقشة إلى مسائل الإعراب والبناء، و«لا» النافية للجنس، وأحكام العدد، والتصغير، والخط، والألفاظ الأعجمية حين تدخل العربية.
وتكشف «الحلبيات» خاصةً عن عناية أبي علي ببنية اللفظ وما وراءها من علة؛ فهو يتتبع الحروف الأصلية والزائدة، ويبحث ما يطرأ عليها بالقلب والإعلال والإدغام والحذف، ويربط هيئة الكلمة بما شهدت به نظائرها، كما يفسر انتقال الألفاظ من الحقيقة إلى الاتساع والمجاز، ويستقصي الاحتمالات قبل اختيار أقواها. ويبلغ هذا النظر أواخر الكتاب في بحث تعريب الأسماء الأعجمية وأبنيتها وتصغيرها، ومن ذلك مناقشته بناء «باذنجان» وما أشبهه، ثم تنتهي النسخة بقول ناسخها إن هذه «المسائل المصنوعة بحلب» من صنعة أبي علي الفارسي. وهكذا تقوم قيمة الكتاب العلمية في طريقته نفسها: تحليلٌ يَنفذ من الجزئية إلى الأصل الذي يحكمها، ويجمع السماع والقياس والاشتقاق والشاهد في تحرير وجوه العربية وتمييز قويّها من ضعيفها.