انتقى شمس الدين الذهبي في هذا الكتاب ما رآه من فوائد ونفائس كتاب شيخه تقي الدين ابن تيمية في الرد على «منهاج الكرامة» لابن المطهر الحلي، فاختصر الأصل المطوَّل مع إبقاء حججه الكبرى ومسالكه في النقض والمناظرة. وكان ابن المطهر قد جعل الإمامة من أعظم مسائل الدين، وبنى كتابه على تقرير وجوب اتباع الإمامية، وإثبات النص على علي رضي الله عنه، وحصر الإمامة في الاثني عشر، والطعن في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم؛ فجاء «منهاج السنة» متعقبًا هذه الأصول واحدًا واحدًا، ثم استخلص الذهبي منه ما عدَّه كافيًا لمقصود الرد، مصرحًا في خاتمته بأن الأصل يقارب 90 كراسة، وأن هذا المنتقى يلائم ما تقصر عنه هِمم كثير من القراء.
ويناقش الكتاب ابتداءً منزلة الإمامة في الدين، فيرد على عدِّها ركنًا من أركان الإيمان وأهم مطالبه، ثم يمتحن بناء الإمامة المعصومة على قاعدة اللطف، ويحتج بأن المقصود من الإمام أن يُعرف أمره ويُطاع ويُرجع إليه، وهو ما يراه منتفيًا في الإمام الغائب الذي لا سبيل إلى معرفة أمره ونهيه. وتتفرع من مناقشة مقدمات ابن المطهر مباحث واسعة في العدل والحكمة والقدر وأفعال العباد والمشيئة والتعليل والصفات، مع تعقب ما نسبه إلى أهل السُّنَّة، وبيان ما أخذه متأخرو الإمامية من أصول المعتزلة، والتفريق بين مسائل الإمامة وبين القضايا الكلامية التي أُدخلت فيها من غير تلازم.
ويفحص ابن تيمية أدلة النص على علي رضي الله عنه من جهة الثبوت والدلالة معًا؛ فيبحث الأحاديث والآيات التي استند إليها ابن المطهر، ويفرق بين ثبوت الفضيلة وبين دلالتها على الإمامة أو التعيين بالخلافة. وفي هذا السياق يناقش حديث الغدير، وآية المباهلة، وأحاديث الفضائل، مقرِّرًا فضل علي وأهل البيت رضي الله عنهم، وموازنًا ذلك بما ثبت عنده في فضائل سائر الخلفاء والصحابة رضي الله عنهم. ويأخذ نقد الأخبار مساحة ظاهرة من الكتاب؛ إذ يتعقب كثيرًا من الروايات التاريخية التي سيقت للطعن في الصحابة رضي الله عنهم، وينظر في رواتها ومصادرها، ولا سيما ما نُقل عن أبي مخنف والكلبي، ثم يحتج بأن إسقاط عامة نقلة أخبار الصحابة يفضي كذلك إلى إضعاف جملة من الأخبار المحتج بها في فضائل علي رضي الله عنه نفسه.
ويستمر الرد إلى دعوى النص على الأئمة الاثني عشر وعصمتهم وتواتر تعيينهم، فيناقش تاريخ ظهور هذه الأقوال وما نُقل عن أئمة أهل البيت، ثم يعود إلى خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم والمطاعن الموجهة إليهم، مستندًا إلى الأخبار والسيرة وموازنة الروايات والحجج. ويُختتم المنتقى بتقرير فضل الخلفاء الأربعة ومحبتهم جميعًا، فيغدو اختصار الذهبي صورة مركزة من «منهاج السنة»: تحفظ أصول الرد على الإمامة الاثني عشرية، والدفاع عن الصحابة رضي الله عنهم، ونقد الروايات والأدلة التي أقيم عليها القول بالنص والعصمة، مع إبقاء ما اتصل بذلك من مباحث الاعتزال والقدر والصفات والاحتجاج العقلي.