نبذة عن الكتاب:
يرسم عبد الله بن ضيف الله الرحيلي في هذا الكتاب طريقًا عمليًّا لاكتساب مكارم الأخلاق، يبدأ بتصحيح مفهوم الخُلُق، وبيان قابليته للتربية والتهذيب، ثم يحدد مصادر التقويم ووسائل التدريب، ويستخرج من القرآن والسنة قواعد أخلاقية عامة، ويضع عشرات المنطلقات لمحاسبة النفس، قبل أن يتوسع في مجالات الأخلاق والذوق والتعامل مع الناس والمخالفين. والكتاب هو الإصدار السادس من سلسلة «دراسات في المنهج»، وقد ظل موضوعه يشغل المؤلف سنوات قبل نشر ما اكتمل من أوراقه، مع تصريحه بأن اتساع قضايا الأخلاق يجعل استيفاء الموضوع في مصنف واحد أمرًا عسيرًا.
وينبه منذ المقدمة إلى خطأ القول بأن الأخلاق فطرية محضة لا تقبل الاكتساب؛ إذ لو لم يكن التغيير ممكنًا لفقدت التربية والموعظة والوصية والتهذيب معناها. لكنه لا يفهم التربية الأخلاقية على أنها قمع طبائع الإنسان وغرائزه أو اقتلاعها، وإنما تهذيبها وتوجيهها إلى ما يوافق الشرع، واستعمالها في حدود الاعتدال من غير إفراط ولا تفريط؛ ويطبق هذا المعنى على دوافع كالغضب والجنس والأكل وحب البقاء والتملك. فالغاية ليست صنع إنسان بلا ميول، وإنما إنسان يحسن قيادة ميوله وضبطها.
ويحدد غرض الكتاب بأنه محاولة عملية لنقل الإنسان نحو الخُلُق الفاضل وإبعاده عن مساوئ الأخلاق، وصياغة مادة تربوية تصلح لمختلف مواقع الناس وأعمارهم وأحوالهم؛ لأن الإنسان يحتاج إلى الأدب في معاملته لله تعالى، ومعاملته للناس، ومعاملته لنفسه. ومن هنا لا يعامل الأخلاق باعتبارها تحسينًا اجتماعيًّا زائدًا، بل بوصفها قضيةً تمس حياة الإنسان كلها وسعادته ومسؤوليته الدينية.
ويكشف المؤلف عن طريقة بنائه للكتاب؛ فقد اعتمد الملاحظة والتجربة في تتبع الخطأ والصواب في تصرفاته وتصرفات الآخرين، وجعل نصوص الكتاب والسنة المقياس الشرعي للحسن والقبيح، واستعان بالعقل والفطرة في التمييز والتأمل، وسجل ما ولدته المواقف الواقعية من خواطر وقواعد. واشترط في الاستدلال صحة الدليل النقلي أو العقلي، واعتنى بتخريج الأحاديث، ولم يقصد الاستيعاب. كما حرص على ألا يكون عمله تجميعًا للنقول؛ واستثنى موضعين توسع فيهما في الإفادة من غيره: جانبًا من الفصل الأول اختصره من «الأخلاق الإسلامية وأسسها» لعبد الرحمن حبنكة، وقسمًا من الفصل الخامس نقل فيه نصوصًا مطولة من «الأخلاق والسير في مداواة النفوس» لابن حزم.
ويعرض تحت عنوان «قصتي مع الموضوع» جانبًا من التجربة التي ولدت منها هذه الأوراق؛ فقد اعتاد مراقبة التصرفات منذ صغره، ثم عاد مع الزمن إلى محاسبة نفسه على الأخطاء التي كان يلحظها في غيره. ومن هذه التجربة خلص إلى أن الأخلاق تتأثر بالدين والعقيدة، والنشأة والتربية، ومجاهدة النفس، والملاحظة والاعتبار، والقراءة والدراسة، وتجارب الحياة؛ وأن الإنسان قد يتلقى الدرس من رؤية الصواب، كما قد يتلقاه «بالمقلوب» حين يشاهد الخطأ والظلم وعواقبهما.
ويقرر في هذا المدخل أن التطلع إلى السعادة وقبول الناس وحسن المنزلة بينهم دوافع موجودة في النفوس، لكن المشكلة تكمن في الطريق الذي يُطلب به ذلك؛ فمن الناس من يطلبه بالمال أو الجاه أو الرئاسة أو الشهوات أو جمال المظهر. أما الطريق الذي يدعو إليه الكتاب فهو الخُلُق الفاضل المرتبط بالإيمان بالله تعالى والعمل للآخرة، مع تحديد الغاية الصحيحة، ثم معرفة الطريق الصحيح إليها، ثم بذل الجهد في سلوكه.
ويلخص من تجربته جملة من الحقائق التي ستعود في بقية الكتاب: أن مجاهدة النفس ضرورة، وأن مراقبتها ومحاسبتها والاعتراف بأخطائها وسائل أساسية في التهذيب، وأن الفراغ والصحبة السيئة والبيئة المنحرفة والجهل من أسباب ضياع الأخلاق. ويولي صفات باطنةً أهمية خاصة، منها الأمانة والصدق والعفة والمروءة والجدية، والنظر في عواقب الأمور، والصبر والحلم، والاعتراف بالجميل، وتقدير ما عند الآخرين من علم وفضل وخبرة. كما يقرر أهمية المحبة والاحترام بين المربي والمتربي حتى تؤتي التربية ثمرتها.
ويبدأ الفصل الأول، «مدخل إلى الأخلاق»، بتعريف الخُلُق بأنه هيئة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة من غير تكلف طويل؛ ولهذا لا يكفي فعل كريم عارض للحكم بأن صاحبه كريم، كما لا يكفي سكوت الإنسان مرةً عند غضبه للحكم بأن الحلم صار خُلُقًا له. ويترتب على هذا التعريف ألا يقف تقويم الإنسان لنفسه عند صورة العمل الظاهرة، بل يتجاوزها إلى الدافع الذي صدر عنه؛ فقد يتشابه فعلان في الظاهر ويختلفان أخلاقيًّا باختلاف النية والباعث.
ثم يجمع 9 طرق لاكتساب الأخلاق الحميدة: معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بالمعاملات والأخلاق، والتدريب العملي والرياضة النفسية، والعيش في بيئة صالحة، والقدوة الحسنة، والتأثير الاجتماعي للمجتمع المسلم، وسلطان الدولة، ومعرفة القواعد الأخلاقية وفضلها ووسائل تحصيلها، والتعرض لتربية المربين، واتخاذ أخ صالح ناصح يكشف للإنسان أخطاءه ويعينه على إصلاحها.
ويتبعها بأسس تربوية عامة للتقويم، فيجعل التربية متدرجة لا تحول الإنسان فجأة، ويراعي اختلاف الطبائع والحالات النفسية، واستثمار المناسبات الملائمة للتوجيه، والرعاية المستمرة التي يشبهها برعاية الشجرة وسقيها وتهذيبها. ويؤكد توجيه الطبائع وتحويلها إلى الخير بدل إلغائها، ورفع تطلع الإنسان من الدنايا إلى المعالي، ومزاحمة العادة السيئة بعادة حسنة، ثم إيجاد حافز ذاتي يستند إلى الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر والقدر، واستشعار الأحكام الشرعية، والإقناع الفكري، والترغيب والترهيب، وتنمية الوجدان الأخلاقي.
وفي الفصل الثاني، «قواعد الأخلاق في الكتاب والسنة»، يوسع مفهوم الأخلاق حتى يجعل الصلة بها ممتدة في نصوص العقيدة والشريعة والعبادات والمعاملات، وفي صلة الإنسان بالله تعالى وبالناس وبنفسه؛ ولذلك لا يحاول حصر النصوص المتعلقة بها، بل ينتخب آيات وأحاديث تحمل قواعد عامة، ويقرأها من زاوية آثارها في تكوين الضمير والسلوك.
ومن القواعد القرآنية التي يتوقف عندها الإحسان، وقول الحسن بل اختيار «التي هي أحسن»، والعفو مع حفظ الفضل السابق بين الناس، والتواضع والإعراض عن الجاهلين، والصفح الجميل مع استحضار الآخرة، وأخذ العفو والأمر بالعرف، وأن التغيير يبدأ بما في النفس، والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ونهي النفس عن الهوى، والتحذير من التطفيف والنزعة التي تستوفي الحقوق لنفسها وتبخسها لغيرها، والإحسان إلى الوالدين بعد توحيد الله تعالى. ويعامل هذه النصوص على أنها قواعد قابلة للامتداد إلى مواقف كثيرة، لا أحكام محصورة في الوقائع التي وردت فيها.
ويستخرج من السنة المعنى نفسه؛ فيقف عند الاستعفاف والتصبر والاستغناء باعتبارها تدريبًا للنفس على اكتساب الصفة، ويصحح مفهوم الغنى بأنه غنى النفس، ويصور حركة الإنسان اليومية بيعًا لنفسه إمّا إلى نجاتها وإما إلى هلاكها، ويعيد تعريف القوة من الغلبة البدنية إلى امتلاك النفس عند الغضب. كما يجعل شكر أصحاب المعروف، وكبح الغضب، ومعاملة الناس بما يحب الإنسان أن يعاملوه به، مبادئ تتجاوز الموقف الواحد إلى بناء الخُلُق المستقر.
أما الفصل الثالث فيحمل عنوان «القواعد الأساسية لاكتساب الأخلاق»، وهو من أكثر أجزاء الكتاب اتصالًا بالتجربة المباشرة. يضم المؤلف فيه نحو 70 قاعدة ومنطلقًا سجلها من المواقف التي عاشها أو شاهدها، ولم يرتبها ترتيبًا موضوعيًّا متكلفًا؛ لأنه أراد استثمار وقائع الحياة في إخراج الحديث عن الأخلاق من المعرفة المجردة إلى المراقبة والتطبيق، مع إبقاء تلك القواعد محكومة بهدي القرآن والسنة.
وتبدأ هذه القواعد بمعاملة الناس كما يحب المرء أن يعاملوه، ومحبة الخير لهم، وعدم جعل الظروف الشخصية عذرًا للإساءة، والاستفادة من عيوب الآخرين في اكتشاف ما ينبغي اجتنابه في النفس، ونقد الذات قبل الانشغال بنقد الناس، ورفض ما يذمه المرء في الآخرين إذا وجده في نفسه، والاهتمام بإصلاح البواعث لا المظاهر وحدها، والحذر من مدح الناس حين يفسد مقصد العمل، والبحث عما على الإنسان من واجبات قبل استغراقه في المطالبة بحقوقه، وعدم مقابلة الإساءة بمثلها.
ويحول كثيرًا من هذه القواعد إلى اختبارات تكشف حقيقة الخُلُق؛ فيدعو الإنسان إلى أن يراقب نفسه حين يخلو، وحين يغضب، وحين يحتاج، وحين يستغني، وحين يقدر على غيره؛ لأن الفضيلة التي تظهر في الرخاء ثم تختفي عند الشدة لم ترسخ بعد. ويؤكد أن للإنسان أخلاقًا واجبة حتى مع أعدائه، وأن فعل الخير لا ينبغي أن يعلق على إحسان الطرف الآخر، وأنه عند النزاع أَولى باتهام نفسه وفحص موقفه قبل الجزم بخطأ أخيه، ثم التماس العذر له إن لم يتبين وجه المسألة.
كما يحذر من الاستهانة بالأخطاء الصغيرة؛ لأن صغر الفعل قد يخفي وراءه باعثًا كبيرًا، ومن اشتراط العصمة في الصديق؛ لأن مَن يقطع كل أخوة بسبب خطأ واحد يطلب أخًا لا وجود له وهو نفسه لا يفي بهذا الشرط. وفي التربية يجمع بين الإقناع والتأديب المنضبط بحسب موضع كل منهما، وينبه المربي إلى أنه «مؤدب لا معذب»، فلا يفسد أخلاقه الشخصية وهو يحاول إصلاح أخلاق ولده.
وتتكرر في هذه القواعد الدعوة إلى الدراسة النظرية للأخلاق، ثم المران المستمر ومحاسبة النفس وصحبة أهل الفضائل، مع تأكيد أن التعلم النظري أو التطبيق العابر لا يصنع خُلُقًا راسخًا. ويجعل الأدب مع الله تعالى أول ما ينبغي العناية به؛ لأن حق الخالق أسبق من حق المخلوق، ثم يبين أن الكرم والصبر والحلم والرحمة لا تستقر دفعةً واحدة، وإنما تحتاج إلى وقت وتدرج وتضحية. ويضرب صورة النحل والذباب مثالًا لمن يفتش في الناس عن مواطن الخير فينتفع بها وينفع غيره، ومن لا يرى إلا الرذائل فيجمعها وينشرها.
وفي الفصل الرابع، «تقسيم الأخلاق»، يحاول تنظيم المادة الأخلاقية من أكثر من زاوية؛ لأن معرفة رتبة الخُلُق ومتعلقه تعين الإنسان على معرفة ما يجب عليه ولمن يجب. فيقسم الأخلاق أولًا إلى أصول وفروع، ويعرض تصنيفًا يجعل أصول الأخلاق الحميدة 9: حب الحق وإيثاره، والرحمة، وقوة الإرادة، والدافع الجماعي، والمحبة للآخرين، والصبر، وحب العطاء، وسماحة النفس، وعلو الهمة، ويجعل ضد كل واحد منها أصلًا تتفرع عنه أخلاق مذمومة.
ويختار «حب الحق وإيثاره» مثالًا على طريقة تفرع الأخلاق من أصولها؛ فيدخل تحته الاعتراف بالحق والإذعان له، والصدق، والأمانة، والوفاء بالعهد والوعد، والعدل، والرجوع إلى الصواب عند الخلاف، والاعتراف بفضل ذوي الفضل. فالمسألة عنده ليست مجموعة خصال متجاورة، بل جذور باطنة تولد طوائف من السلوك؛ ولذلك يكون الاهتمام بالأصل أقرب إلى إصلاح فروع كثيرة دفعة واحدة.
ثم يقسم الأخلاق بحسب متعلَّقها إلى 4 مجالات: مع الله تعالى، ومع الناس، ومع النفس، ومع سائر المخلوقات. وفي الأدب مع الله تعالى يجمع الإيمان والتوحيد والطاعة وتعظيم الشعائر والخضوع للشرع والتسليم للكتاب والسنة، والرضا بالقضاء والقدر، والمحبة والذكر والشكر وإحسان العبادة. وفي التعامل مع الناس يربط الحقوق بحق الله تعالى وحق الإنسان ومصلحة المرء نفسه، ويرتب على استقامة هذا الأصل شيوع المحبة والاحترام والتعاون والإنصاف والإحسان والإيثار والصدق والعدل وأداء الحقوق.
وأما معاملة الإنسان لنفسه فتقوم على إلزامها بالعبودية والإخلاص والرضا والأدب وحسن المعاملة للآخرين، مع رفض نوعين من الظلم: إطلاقها وراء الهوى المخالف للشرع، ومنعها في المقابل من الحظوظ المباحة أو الحقوق التي أذن بها الشرع. وفي سائر المخلوقات يقرر عدم ظلمها، والانتفاع بها ضمن ما أباحه الله تعالى، ومعرفة الأحكام المناسبة لها، والإحسان حتى في المواضع التي أذن فيها بالذبح أو دفع الضرر.
ويأتي الفصل الخامس، «نظرات في كلمات عن الأخلاق»، في صورة تأملات ومقالات تطبيقية متعددة. فيوازن أولًا بين شدة حرص الناس على أموالهم وضعف حرصهم على أخلاقهم، ثم يقارن بين جمال الثياب وجمال السيرة، جاعلًا لباس البدن سترًا لعورته الحسية والخُلُق الحسن سترًا لعورة النفس. ويتساءل عن أسباب وقوع العاقل في الخطأ، فيذكر نسيان الإنسان لموقعه ومسؤوليته، واستيلاء الهوى والشهوة أو ضغط الصحبة والبيئة، والغفلة عن الواجب، والخطأ العارض.
ويربط الأخلاق بالعبودية لله تعالى؛ فالتخلق بالفضائل ليس مجرد سلوك اجتماعي محبب، وإنما يدخل في طاعته وعبادته. ثم يناقش معنى إنسانية الإنسان، ويرفض أن تكون قيمة المرء في الجسم والمظهر وحدهما، ويجعل العقل والعلم والدين والخُلُق والسيرة أصدق في الدلالة عليه، ومن هنا يكرر نقد الإفراط في العناية بالمظهر والطيب والثياب مع إهمال القلب والتصرف والأدب.
ويخصص مبحثًا لطرق اكتساب الأخلاق، فيقرر أن التربية مسؤولية مشتركة بين المربي والمربَّى والمجتمع، وأن بلوغ الرشد يجعل الإنسان مسؤولًا عن تربية نفسه ولو قصّر من كان يفترض أن يربيه؛ لأن التغيير لا يثمر إذا رفض المتربي النصيحة والإصلاح من داخله. ويتصل بذلك تأكيد التعاون بين الأسرة والمدرسة والأقارب والمجتمع؛ لأن الرسائل التربوية المتناقضة تهدم بعضها بعضًا، بينما اتفاق المحيطين بالناشئ على تصور الخير والشر يقوي أثر التربية.
ويبحث أيضًا أثر الخوف والطمع في انحراف السلوك، ويدعو إلى تقديم طاعة الله تعالى على الخوف من المخلوق أو الطمع فيما عنده. ثم يحدد وسائل لتربية النفس: تذكر نعم الله تعالى، واستحضار الموت والحساب، ومعرفة قدر مَن أمر بمكارم الأخلاق، والمجاهدة والمحاسبة، ودراسة القواعد الأخلاقية، والعناية بأصول الفضائل، وتتبع صفات المؤمنين في القرآن والسنة، واتخاذ صاحب ناصح يبصر المرء بعيوبه.
ويتخذ شكر النعمة وتقدير مشاعر الآخرين دافعين عمليين للأخلاق؛ فالإنسان إذا تذكر إمكان فقد الصحة أو الحواس أو الشباب أو الألفة أو السعة عرف قدر ما هو فيه، وكان ذلك أدعى إلى الشكر وحسن المعاملة. كما يمكن استثمار حاجة النفس إلى المحبة والقبول بتذكيرها أن الناس يحبون من الإنسان خصاله الحسنة ويكرهون منه قبيح السلوك، وأن طلب محبة الله تعالى أولى بتزكية هذه الدوافع.
وتحت عنوان «مجاهدة النفس شرط لاكتساب الأخلاق الفاضلة» يؤكد أن المعالي لا تأتي بلا ثمن، وأن الصبر على مقاومة الشهوة أيسر من تحمل نتائج الاسترسال معها. ويربط المجاهدة بالتأني والنظر في العواقب قبل التصرف حتى يعتاد الإنسان اختيار ما يصلح له ويصبح ذلك خُلُقًا. ثم يجعل السير والتراجم مدارس عملية يتعرف منها القارئ إلى الكرم والشجاعة والزهد والورع والعلم وغيرها، على أن تعرض كل سيرة على ميزان الكتاب والسنة؛ أما النموذج الذي اجتمعت فيه الفضائل بلا انحراف إلى إفراط أو تفريط فهو سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
ويتوسع في مفهوم العدل حتى يخرجه من حدود الميزان المادي؛ فالتطفيف ليس عنده بخس الناس في المكيل والموزون فقط، بل يلتقط منه معنى أوسع يشمل من يستوفي لنفسه الاحترام والحقوق ثم يبخس الآخرين حقوقهم المعنوية، أو يكره أن يُظلم ثم يظلم، أو يطلب الإنصاف لنفسه ولا ينصف غيره. ولهذا يتحدث عن ميزان محسوس للحقوق المادية، وميزان في الضمير والفطرة يهتدي بالوحي لمعرفة حقوق أوسع من أن توزن بالأدوات.
ويربط هذا بالباعث الفردي والجماعي، فلا يلغي حق الإنسان في مصالحه ولا يسمح له بأن يجعل نفسه محور الحياة على حساب غيره. فالمطلوب توازن يعطي النفس حقها ولا ينسى المجتمع، ويرفض الأنانية التي تحقق المصلحة الخاصة بالإضرار بالآخرين، كما يرفض إهدار الفرد باسم الجماعة. وعند تعارض الخاص والعام يتناول تقديم المصلحة العامة، ويجعل رعاية مصالح الأسرة والزملاء والحي والمجتمع والأمة خلقًا ينبغي أن يدرب المرء نفسه عليه من غير انتظار أن يبدأ الآخرون.
ويمتد الفصل إلى مجالات متعددة: العناية بالعلم، وصلة الرحم، وأخلاق الداعية، والنصيحة وآدابها، وأثر الإنسان فيمن حوله وتأثره بهم، وشكر المعروف، وأدب مجالس العلم. ويؤكد في النصيحة أن مقصدها الإصلاح لا إثبات التفوق، وأنها تحتاج إلى معرفة بالمصلحة والموضع والقدر والأسلوب، وأن التقصير الشخصي لا يسوغ ترك نصح الغير بالخير، كما لا يعفي الناصح من إصلاح نفسه.
ويخصص الفصل السادس لـ«الذوق والأدب في تصرفات الإنسان»، لينقل الأخلاق إلى تفاصيل قد يعدها بعض الناس صغيرة. ويعرض الذوق جزءًا من الخُلُق الإسلامي، ويذكر من صوره السلام، وشكر المعروف، والصدق والأمانة، والكلمة الطيبة، والنظافة، والإحسان، وصلة الأقارب، والاستئذان، والصبر والكرم والحلم والأخوّة والعدل والتثبت. ثم يستحضر هدي النبي صلى الله عليه وسلم في اللين والتواضع ومراعاة أحوال الناس والشكر وحفظ الجميل وحسن الكلام والنظافة، ويجعله الميزان الأعلى في هذا الباب.
ثم يدعو الإنسان إلى اكتشاف «صورته في عيون الآخرين» بثلاث وسائل: ملاحظة أثر تصرفاته فيهم، وقياسها على ما يشعر هو به حين يفعل الناس مثله، والاستفادة من أخ ناصح يكشف له عيوبه. وبعد ذلك يسجل نماذج كثيرة من الأخطاء اليومية في الطعام والنظافة والمرافق العامة والحديث والصوت والقيادة ومواقف السيارات ونحوها، ويربطها جميعًا بقاعدة مراعاة شعور الآخرين وعدم ترك المكان أو الشيء المشترك في حال يكره الإنسان نفسه أن يجده عليها.
ولا يقصد من هذه التفاصيل تحويل الذوق إلى وسوسة أو تكلف، بل إلى توسيع دائرة المحاسبة بحيث تشمل ما يؤذي الآخرين وإن استخف به صاحبه. ولهذا يختم هذا الفصل بالدفاع عن قيمة النصيحة وقبولها، ويؤكد أنه تجنب السب والشتم في بيان هذه الأخطاء؛ لأن الدعوة إلى الخُلُق الفاضل لا تستقيم بسوء الخُلُق.
ويفرد الفصل السابع لـ«خُلُق التعامل مع المخالف»، ويجعله اختبارًا مهمًّا لرسوخ الأخلاق؛ إذ يسهل على الإنسان حسن المعاملة مع الموافق، وتظهر حقيقة إنصافه حين يخالفه غيره. ويقسم المخالف بحسب الدين إلى مسلم وغير مسلم، ويجعل إصابة الموقف الأخلاقي الصحيح محتاجةً إلى أمرين معًا: فقه شرعي دقيق، وأخلاق نفسية مستقرة تمنع الهوى والانفعال من تبديل الحكم بعد معرفته.
وفي التعامل مع المسلم المخالف يجعل الأصل بقاء أخوّة الإيمان وحقوقها، وحسن الخُلُق، ومحبة الخير، وصيانة الدم والمال والعِرض، ويرفض أن يتحول الخلاف إلى إذن مفتوح بالظلم أو الطعن أو سوء الظن أو الاعتداء. ويستكثر من الآيات والأحاديث التي تأمر بالإصلاح، وتحريم الأذى، وقضاء الحاجة، والستر، ورد السلام، وعيادة المريض، ونصرة المظلوم، وإفشاء السلام، وغيرها، ويؤكد عموم هذه الحقوق ما لم يرد دليل يخص حالةً معينة بحكم آخر.
ويفرد لغير المسلم مبحثًا يميز فيه بين غير المحارب والمحارب. ففي غير المحارب يقرر كف الأذى والظلم، والتزام الصدق والأمانة والعدل والإنصاف والرحمة في مواضعها، وجواز إيصال البر والمعروف والهدية والإغاثة بضوابطها، مع الفصل بين حسن المعاملة وبين ما يتعلق بالموالاة الدينية. ويؤكد أن الإسلام لا يقرر خُلُقًا حسنًا للمسلم وخُلُقًا سيئًا لمجرد اختلاف دين الطرف الآخر، كما لا يلغي في الوقت نفسه الفروق في الأحكام والحقوق التي تتصل بالدين.
وفي حال المحاربة يذكر بقاء الضوابط الأخلاقية؛ فيتناول الدعوة قبل بدء القتال في الموضع الذي ساقه، والنهي عن الغدر والمُثْلة، والنهي عن قتل من لا يشارك في القتال كالنساء والصبيان، وتحريم الإفساد الذي لا تقتضيه ضرورة. ثم يناقش جملة من المفاهيم التي يعدها مغلوطة، منها جعل الانفعال الشخصي مصدرًا للحكم، واعتقاد أن أذية غير المسلم مثاب عليها مطلقًا، أو أن حسن معاملته محرم، أو الخلط بين حسن المعاملة والموالاة، أو التسوية بين تفوق الإسلام وبين الحكم بأن كل مسلم أفضل خلقًا وسلوكًا من كل غير مسلم. ويختم هذا الباب بالتنبيه إلى أن حسن الخُلُق لا يعني الغفلة أو ترك الحذر.
ولا يدعي المؤلف في الخاتمة أنه استوفى موضوعه؛ بل يصرح بأن الوقت لم يسمح له بكتابة كل ما أراد. ويذكر من القضايا التي بقيت لديه: تقسيم الأخلاق بحسب موقع الإنسان في المجتمع كأخلاق الداعية والأسرة والمتعلم والمعلم والعالم والرئيس والمرؤوس، والأخلاق والمال، والمروءة وأثرها في اكتساب الأخلاق، وفضائل معينة ينبغي التحلي بها ورذائل ينبغي اجتنابها، والروايات غير الثابتة المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في موضوع الأخلاق.
ويختم بالتأكيد أن الموضوع التربوي الأخلاقي لا تؤدي حقه قراءة عابرة أو قراءة واحدة؛ لأنه متعلق بتغيير السلوك، ولذلك يحتاج إلى مراجعة متكررة بعقل وقلب حاضرين. وهنا تتضح طبيعة «الأخلاق الفاضلة»: فهو لا يقدم قائمةً بالصفات الحسنة والسيئة فحسب، بل يحاول بناء منهج لمراقبة النفس وتدريبها، يجمع بين الفطرة والعقل والتجربة والتربية، ويجعل الكتاب والسنة ميزانه الحاكم، ثم يتابع الخُلُق من منبعه الداخلي إلى ظهوره في العبادة والأسرة والصحبة والعمل والخلاف والطعام والطريق وسائر تفاصيل الحياة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها: