يحصر محمد بن أحمد بن محمد العماري في كتابه «إغلاق الأبواب لمنع الحب والإعجاب» المداخل التي تتسلل منها المحبة المحرمة والتعلق بالأشخاص إلى القلب، ويجعل الوقاية منها أسبق من معالجة آثارها بعد تمكنها. وقد بنى رسالته على فكرة صريحة أعلنها في المقدمة: أن الحب والإعجاب إذا تجاوزا حدودهما أورثا الألم والعذاب، وأن إغلاق أسبابهما يحفظ القلب من التعلق؛ ثم رد هذه الأسباب إلى 3 أبواب رئيسة: النظر، والسمع، والغناء.
ويفتتح بالباب الأول، «باب النظر»، لأنه أوسع الأبواب وأشدها مباشرةً في إثارة التعلق. ويستدل بالأمر بغض البصر، ثم يستعين بكلام ابن القيم في أثر تكرار النظر إلى محاسن الصورة ونقلها إلى قلب فارغ حتى تتمكن منه المحبة. ويستحضر قصة امرأة العزيز ونسوة المدينة ليبين كيف يبدأ الأمر برؤية الصورة ثم ينتقل إلى التعظيم والانشغال والتعلق.
ويتوسع في تصوير أثر النظرة من خلال عدد كبير من الأشعار والحكم؛ فالنظرة عنده قد تسلب النوم، وتفتح باب الفكر، ثم يتحول الفكر إلى هوى يستولي على القلب والعقل. ويكرر أن إطلاق البصر لا يمنح صاحبه لذة عابرة فحسب، بل قد يورث حسرة طويلة حين يرى الإنسان ما لا يملك الوصول إليه ولا يستطيع إخراجه من قلبه. ولهذا ينقل عن ابن القيم تشبيه النظر بالسهم الذي يستهدف القلب، وبالشرارة التي تلقى في الحشيش اليابس فتوشك أن تحرقه.
ولا يقصر هذا الباب على الرجال، بل يؤكد اشتراك النساء في فتنة النظر، ويجمع لذلك أقوالًا ينقلها عن الشافعي والنووي وابن كثير وابن تيمية وغيرهم في نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي، ويستحضر قصة الفضل بن عباس رضي الله عنه مع المرأة الخثعمية، وما ورد من صرف النبي صلى الله عليه وسلم وجهه عنها. والمقصود من هذه النقول أن خطر التعلق لا يختص بجنس دون آخر، وأن صرف النظر منذ بدايته أسهل من مقاومة أثره بعد استقراره في القلب.
ثم ينتقل إلى الباب الثاني، «باب السمع»، فيبين أن الصورة قد تدخل القلب بالوصف كما تدخل إليه بالبصر. ويستدل بنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن تباشر المرأةُ المرأةَ ثم تنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها، ويربط ذلك بما ورد في الحديث من ذكر استماع الأذن ضمن مقدمات الفتنة. ومن هنا يحذر النساء من التوسع في وصف الرجال أمام غيرهن، سواء أكان الموصوف زوجًا أم أبًا أم ابنًا أم أخًا؛ لأن تكرار ذكر الصفات قد يرسم صورة في الذهن لم يرها السامع بعينه.
ويستعين في هذا الباب أيضًا بكلام ابن القيم والأشعار التي تقرر أن «الأذن تعشق قبل العين أحيانًا»، ليبين أن السمع يستطيع إنشاء صورة ذهنية يتبعها الإعجاب ثم التعلق. فالمسألة لا تتوقف على مشاهدة الشخص، بل قد يكفي سماع محاسنه وتكرار وصفه حتى تستقر صورته في الضمير، ولهذا يجعل منع الوصف المثير امتدادًا لغض البصر وصيانةً للقلب من الطريق نفسه وإن اختلفت الوسيلة.
أما الباب الثالث فهو «الغناء»، ويعرضه بوصفه بابًا يجمع السماع بإثارة العاطفة والهوى. ويورد جملة من الأقوال التي تصف الغناء بأنه يهيج القلوب ويستفز العقول ويدعو إلى اللهو والطرب، ثم يستشهد بكلمات وأشعار تربط السماع بالشوق والهوى والانشغال بالمحبوب. ويجعل خطورته في قدرته على تحريك المشاعر وإيقاظ الرغبات التي قد تكون كامنة، فينتقل السامع من مجرد التلذذ بالصوت إلى استحضار صور الحب والتعلق.
وتقوم طريقة الرسالة كلها على سد الذرائع قبل استفحالها؛ فالمؤلف لا ينتظر حتى يتحول الإعجاب إلى تعلق يستنزف القلب، وإنما يحاول إيقاف السلسلة عند بدايتها: لا نظرة متكررة تنقش الصورة، ولا وصفًا مسترسلًا ينقلها إلى الخيال، ولا سماعًا يهيج العاطفة ويغذيها. ومن هنا جاء العنوان نفسه «إغلاق الأبواب»، لأن العلاج المقصود وقائي قبل أن يكون علاجًا لحالة استقرت بالفعل.
ويغلب على الكتاب الأسلوب الوعظي المباشر، مع كثرة الاستشهاد بالآيات والأحاديث، ونقول العلماء، ولا سيما ابن القيم، وإيراد الأشعار التي تصور أثر النظرة والهوى والسهر والحسرة. ولا يبني مادته على تفصيل فقهي مطول، بل على تكرار المعنى من زوايا متعددة حتى يرسخ في النفس خطر البدايات الصغيرة التي قد تنتهي إلى تعلق يصعب دفعه.
وبذلك تدور رسالة «إغلاق الأبواب لمنع الحب والإعجاب» حول قاعدة واحدة: أن القلب لا يتورط في التعلق دفعةً واحدة، وإنما يدخل إليه من منافذ تبدو في أول أمرها يسيرة؛ نظرة تُعاد، أو وصف يُستحسن سماعه، أو غناء يوقظ العاطفة. ولذلك يجعل المؤلف سلامة القلب في ضبط هذه المداخل قبل أن تتحول إلى صورة راسخة وفكرة ملازمة وهوى غالب، ويربط الوقاية بغض البصر، وصيانة السمع، والابتعاد عما يثير القلب ويفتح عليه باب الحب والإعجاب.