يتتبع أحمد بن إبراهيم الجابري في هذا الكتاب أخبار أهل البيت والصحابة رضي الله عنهم؛ ليستخرج منها ملامح تربيتهم للصغار، ويرد المواقف المتفرقة في كتب الآثار والسير والسنة إلى أصول تربوية يمكن الإفادة منها في بناء الطفل. ولا يقصد إلى استقصاء كل ما رُوي في الباب، بل ينتقي نماذج تكشف أن التربية عندهم كانت ممارسة حاضرة في حياتهم، وإن لم تُصَغ يومئذ في نظريات ومصطلحات مستقلة، وأن هدي الوحي كان أصلًا ناظمًا لتعاملهم مع أبنائهم وصغارهم.
ويمهد لذلك ببيان خطورة مرحلة الطفولة في تكوين الشخصية، وما يترسخ فيها من اتجاهات وميول وأخلاق قد يمتد أثرها إلى بقية العمر. وفي الوقت نفسه يرفض المفاضلة الحادة بين التراث والمعارف التربوية الحديثة؛ فلا يدعو إلى الانقطاع عن ميراث الأمة، ولا إلى إهمال ما انتهت إليه الدراسات المتخصصة، وإنما يجعل المطلوب الإفادة من الخبرة المعاصرة في ضوء الأصول الإسلامية، بحيث تتلاقى المعرفة الحديثة مع القيم المستمدة من الوحي.
ويعرّف في تمهيده بالمفردات التي يقوم عليها عنوان الدراسة: الأدب، والتربية، والتراث، والآل، والأصحاب، ثم يحدد التربية بأنها بناء الطفل شيئًا فشيئًا إلى حد التمام والكمال، بما يتضمن الرعاية والإصلاح والتدرج وتنمية الاستعدادات. وبعد ذلك يرجع بالعناية بالطفل إلى ما قبل ولادته؛ فيتناول مسؤولية الوالدين واختيار الزوجة الصالحة، ويستشهد بقصة جابر بن عبد الله رضي الله عنه حين قدّم مصلحة أخواته الصغيرات في الرعاية على رغبته الشخصية عند اختيار الزوجة.
ويقسم الجابري دراسته بعد التمهيد إلى 5 فصول: التربية العقدية، والتعبدية، والأخلاقية، والاجتماعية، والبدنية، ويصدّر كل فصل بقَبَس من الهدي النبوي يبين أصل ذلك الجانب، ثم يتتبع تطبيقاته عند الآل والصحابة. ويعتني بتخريج الأحاديث والآثار، ويصدر كثيرًا منها بحكم موجز على درجتها، فلا يسوق مادته التربوية منفصلة عن النظر في ثبوت مستندها.
ويجعل التربية العقدية أول هذه الجوانب؛ لأنها الأساس الذي تتفرع عنه بقية جوانب السلوك. ويبدأ بتوحيد الله تعالى ومراقبته والاستعانة به، ثم بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وامتثال أمره. ومن التطبيقات التي يجمعها: الحرص على بقاء الصغير على الفطرة، واختيار المرضعة المسلمة، وتلقينه كلمة التوحيد في أول نطقه، وتنقية قلبه من الاعتقادات الباطلة، وربطه بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومغازيه، وتعويده توقير سنته وعدم تقديم الهوى والرأي عليها.
ويبرز في هذا الفصل تنوع وسائل التربية؛ فليست كلها أوامر مباشرة. فقد كانوا يعلمون الصغار السيرة والمغازي، ويشهدونهم بعض المشاهد التي تعمق صلتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويربطون الأحكام بمواقف واقعية تعلق في الذاكرة. كما يستثمرون الخطأ حين يقع في تقويم الاعتقاد، فلا يُترك الصغير على فعل يوهم تعلق القلب بسبب باطل، بل يُصحح له المعنى ويُرد إلى التوحيد والامتثال.
ثم يعالج التربية التعبدية على أساس أن الصغر مرحلة تدريب وتعويد، لا مرحلة تكليف كامل. فالغاية أن يبلغ الصغير وقد ألف العبادة واستقرت في نفسه، ولهذا يردد المعنى المأثور: «إنما الخير عادة». ويتتبع تدريبهم للصغار على الوضوء والصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة وقراءة القرآن والدعاء، ويبين تعدد طرائقهم بين التلقين والمشاهدة والقدوة والتطبيق العملي والتشجيع والتدرج.
وتأخذ الصلاة النصيب الأوسع؛ فيذكر أمر الصبي بها عند السن المناسبة، وتعليمه إياها قبل ذلك متى حصل له التمييز، وإيقاظه لها من غير تحميله ما لا يحتمل، وتعليمه صفتها بالممارسة، والصلاة أمامه ليقتدي، وتصحيح أخطائه، واصطحابه إلى المسجد. وفي الصيام يعرض ما كان يصنعه الصحابة مع صبيانهم من تدريبهم عليه وإلهائهم بما يناسبهم إذا اشتد عليهم الجوع، فيجمع بذلك بين التعويد والرفق.
وفي الحج والعمرة يؤكد أثر اصطحاب الصغار والممارسة المباشرة في تعليم المناسك، بينما يراعي في تعليم القرآن التدرج واختلاف الأطفال في استعدادهم؛ فلا يجعل الاستعجال بالحفظ غاية في ذاته، بل ينقل ما يدل على ترك الصغير حتى يتهيأ ثم الأخذ به شيئًا فشيئًا، والبدء بما يَسْهُل عليه. ويعرض كذلك جمع الأهل والأولاد عند ختم القرآن، وتعليم الأدعية للصغار بالحفظ أو بسماعها المتكرر من آبائهم.
ويفرد الفصل الثالث للتربية الأخلاقية، مركزًا على الأخلاق التي يمكن غرسها بالممارسة اليومية. فيبدأ بالتأدب مع الوالدين والكبار وأهل العلم، ويوازن بين احترام الكبير وبين بناء ثقة الصغير بنفسه؛ فالأدب لا يعني منعه من الكلام إذا علم الصواب، وإنما تعليمه متى يتكلم وكيف يتكلم. ثم يتناول الصدق، ويؤكد أثر قدوة الوالدين فيه، حتى لا يُوعد الطفل بشيء ثم يُخلف معه بحجة صغر سنه.
ويضم إلى ذلك حفظ الأسرار، والرحمة ومراعاة مشاعر الآخرين، والأمانة وصيانة حقوق الناس. ومن أبلغ نماذجه في حفظ السر قصة أنس بن مالك رضي الله عنه، حين كتم حاجة النبي صلى الله عليه وسلم حتى عن أمه، فثبّتته أمه على ذلك بدل أن تستدرجه إلى إفشائه. وفي الرحمة يورد ما يدل على تعليم الصغار ألا يؤذوا المحتاجين بإظهار ما يشتهونه أمامهم، ولا يؤذوا الحيوان في لعبهم، لتنشأ الرحمة عندهم سلوكًا يتجاوز مجرد الوعظ.
ويستكمل البناء الأخلاقي بالنهي عن الغيبة والكسل والضجر، والحث على طلب العلم قبل التصدّر، وسوق وصايا جامعة كان الكبار يلقنونها أبناءهم. ويظهر في هذه النماذج أن التربية ليست معالجةً للخطأ بعد وقوعه فحسب، بل إعداد مبكر للصفات التي سيحتاج إليها الصغير عندما يكبر ويتحمل مسؤولياته.
أما التربية الاجتماعية فيجعل غايتها إعداد الصغير للمخالطة السوية، بعيدًا عن الانطواء والخجل، مع حفظ الأدب والاحترام. ويجمع لذلك وسائل متعددة: اصطحاب الصغار إلى مجالس الكبار، وتشجيعهم على الكلام الصحيح فيها، وتعويدهم السلام، وعيادتهم إذا مرضوا، واصطحابهم إلى الأعراس والمناسبات المشروعة، وترك مساحة لهم في اختيار الأصدقاء مع توجيههم إلى الصحبة الصالحة، وتكنيتهم منذ الصغر بما يشعرهم بالتكريم ويحفظهم من الألقاب المؤذية.
ويلفت كذلك إلى إشراك الصغير في المجتمع باعتباره صاحب مكانة وحقوق، فيعرض ما كان من تخصيص عطاء للصغار من بيت المال واحتساب نفقاتهم، وما في ذلك من إشعارهم بأنهم جزء معتبر من الجماعة. وتتكرر هنا فكرة تربوية واضحة في الكتاب: أن الصغير لا يُهيأ للمجتمع بعزله عنه، وإنما بإدخاله فيه تدريجيًا تحت نظر المربي وتوجيهه.
ويوسع الجابري مفهوم التربية البدنية فلا يحصره في صحة الجسد، بل يقسمه إلى تربية جسدية وتربية نفسية عاطفية. ففي الأولى يتناول العناية بالصغير جنينًا ورضيعًا، وحلق شعر المولود، والرقى والتعويذ، وتعليم الرياضات النافعة كالسباحة والرمي، وإتاحة قدر من اللعب والترفيه، وتعويده النوم المبكر والبعد عن السهر. ويؤكد أن اللعب ليس مضيعة إذا وُضع في موضعه، بل حاجة تعين على صحة الجسم وتدفع الملل، على ألا ينقلب إلى إيذاء أو محرم.
أما الجانب النفسي العاطفي فيقيمه على التوازن بين المحبة والحزم؛ فلا حرمان عاطفي يقسي الصغير ويشوّه نفسه، ولا تدليل مفرط يسلبه القدرة على تحمل تبعات الحياة. ويعرض مظاهر إظهار المحبة للصغار وملاطفتهم وتقبيلهم، ثم ينتقل إلى حاجتهم إلى التقدير واحترام الشخصية، فيذكر إسناد بعض المسؤوليات إليهم متى كانوا أهلًا لها، ومراعاة رأي الطفل في بعض شؤونه، ومن ذلك تخييره عند بلوغ سن التمييز فيمن يعيش معه إذا افترق والداه. ويضيف إلى ذلك حاجته المستمرة إلى الرعاية الوالدية في مظهره ونظافته وتوجيه تصرفاته.
ويكشف الكتاب في مجموعه عن أساليب تربوية تتردد في الفصول كلها وإن اختلف موضوعها: القدوة قبل الأمر، والتعويد قبل التكليف، والتدرج بحسب السن والاستعداد، والتعليم بالموقف والمشاهدة، وإشراك الصغير في مجالس الكبار، وتصحيح الخطأ عند وقوعه، ومراعاة مشاعره وكرامته، والجمع بين الرحمة والحزم. وهذه الأساليب لا يقدمها المؤلف في صورة قواعد مجردة، بل يستنبطها من وقائع محددة، مع بيان ما يمكن أن يُفهم منها تربويًا.
وينتهي الجابري إلى أن غياب التصنيف النظري في التربية عند الصحابة وأهل البيت رضي الله عنهم لا يعني غياب العناية بها؛ فقد مارسوها في صغارهم مستضيئين بالوحي وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاءت الكتابات اللاحقة لتفصل ما كان جاريًا في حياتهم. وما تتفرق شواهده في أبواب العقيدة والعبادة والخُلُق والاجتماع وصحة البدن والنفس يلتقي عند مسؤولية واحدة: أن الطفل لا يُترك حتى تصنعه الأيام كيف اتفق، بل يُبنى بالتدرج والرعاية حتى يتهيأ لأن يحمل بنفسه ما كان والداه ومربوه يحملونه عنه في صغره.