يوقظ أزهري أحمد محمود في هذا الكتاب قلب المذنب على الخوف من أن يدركه الموت قبل التوبة، فيجعل خاتمة الإنسان موضع محاسبة دائمة لا أمرًا مؤجلًا إلى آخر العمر. وينطلق من أن الأعمال معتبرة بخواتيمها، وأن المؤمن لا يغتر بما مضى من طاعة ولا يأمن تقلُّب القلب، كما لا ينبغي للمذنب أن يسترسل مع المعصية اتكالًا على أمل التوبة في المستقبل؛ إذ قد يفجؤه الأجل وهو على حال لا يرضاها لنفسه.
ويفتتح الكتاب بإبراز شدة خوف الصالحين من سوء الخاتمة، مع ما كانوا عليه من الطاعة والاستقامة. فيورد أخبارًا وأقوالًا تصور وجلهم من تقلب الحال عند الموت، وخشيتهم أن يُسلب الإنسان ما كان عليه من خير في آخر لحظاته. والمقصود من هذه النماذج زجر المذنب عن الأمن والغفلة؛ فإذا كان أهل الصلاح يخافون على أنفسهم، كان المقصر أولى بالمحاسبة والحذر.
ويؤكد أن هذا الخوف ليس يأسًا ولا قنوطًا، بل باعث على المبادرة؛ فالأنفاس معدودة، والعمر يتناقص، ولا يعلم الإنسان ما بقي له منه. ولذلك يكرر دعوة القارئ إلى ألا يؤخر إصلاح حاله، وأن ينظر إلى كل ساعة يمكن أن تكون آخر ساعات عمله، فيستثمرها فيما يقربه إلى الله تعالى بدل أن يستهلكها في المعاصي ثم ينتظر فرصة أخرى قد لا تأتي.
ويستحضر في هذا السياق نماذج من خوف السلف عند الموت، فيذكر جزع بعضهم من الموقف الآتي مع ما عرف عنهم من العبادة والصلاح، ويصور قلقهم من المصير ومن تغير القلب في اللحظات الأخيرة. ويستفيد من هذه الأخبار في تقوية معنى الوجل المحمود، لا ليقرر سوء عاقبتهم، بل ليبين أن معرفة قدر الآخرة كانت تمنعهم من الاغترار بأعمالهم.
ثم ينبه إلى تقلب القلوب، ويستدل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم المتكرر بالثبات على الدين، ليبين أن قلب الإنسان عرضة للتغير، وأن دوام الاستقامة نعمة تحتاج إلى سؤال الله تعالى الثبات عليها. ومن هنا يحذر من أن يألف القلب المنكر حتى يراه معروفًا، أو ينحرف شيئًا فشيئًا حتى يأتيه الموت وقد تبدلت موازينه وضعفت فيه أسباب الرجوع.
ويجعل الذنوب من أبرز الأسباب التي يخشى معها سوء الخاتمة، ولا سيما إذا تحولت من زلة عارضة إلى إصرار واعتياد. فالمعصية إذا تكررت ألفتها النفس، ثم ضعف استنكارها، وصعب الإقلاع عنها، وطال الأمل بالتوبة، حتى قد يفجأ الموت صاحبها وهو مُصِرّ على ما اعتاده. ولهذا لا يتعامل الكتاب مع الذنب المنفرد بوصفه نهاية الطريق، وإنما يحذر من الاستسلام له وتكراره حتى يصبح جزءًا من حياة صاحبه.
ويفصل خطر الإصرار على المعصية من جهة ما يتركه في النفس؛ فالمعتاد للذنب قد يظل يؤخر التوبة لأنه يتوهم سعة العمر، ويمني نفسه بأنه سيعود في وقت لاحق. فإذا ظهرت أمارات الموت وانقطع أمله في الدنيا أدرك ما فرط فيه، لكن الندم عند فوات زمن العمل لا يرد العمر. ومن هنا يربط الكتاب بين طول الأمل وسوء الاستعداد للموت، ويجعل العلاج في التوبة قبل حلول أسباب العجز عنها.
ويحذر كذلك من اجتماع سكرة الموت وحسرة التفريط؛ فالإنسان قد يقضي سنوات وهو يعلم خطأه لكنه يراهن على مهلة مستقبلية، ثم تأتي اللحظة التي يتمنى فيها ساعة واحدة يصلح بها ما أفسده فلا يملكها. ولذلك يدعو إلى استحضار قرب الموت لا على سبيل التشاؤم، بل لإعادة ترتيب الأولويات وكسر التسويف الذي يجعل التوبة وعدًا مؤجلًا لا يتحقق.
ويورد بعد ذلك طائفة من أخبار من نُقل عنهم سوء الحال عند الموت، ويجعلها مواعظ تحذر من أثر المعاصي الراسخة. فمنهم من ذُكر أنه عجز عن النطق بكلمة التوحيد، وربط ناقلو خبره ذلك بعقوق الوالدين، ومنهم من كان مشغولًا بالخمر أو المال أو العقار حتى غلب ما عاش عليه على كلامه في ساعاته الأخيرة. ويورد هذه الوقائع باعتبارها أخبارًا وعظية منقولة في مصادره، لتصوير خطورة أن تستولي العادة أو الشهوة على القلب حتى ساعة الاحتضار.
ويمنح الخمر وترك الصلاة وعقوق الوالدين صورًا بارزة في هذه الأخبار، لأنها تمثل عنده معاصي قد يبلغ الاعتياد بها حدًّا شديدًا من الغفلة. ويعرض خبر من مات وهو مُصِرّ على شرب الخمر وترك الصلاة، وأخبار آخرين جرى على ألسنتهم عند الموت ما شغلتهم به دنياهم، ليقرر أن ما يملأ القلب زمن الحياة قد يبرز أثره عند انقطاع القدرة على التدارك.
ولا يجعل الكتاب هذه الأخبار بابًا للحكم على مصائر أشخاص بعينهم، وإنما يسوقها للتخويف من طريق الذنب نفسه؛ فالمقصد أن يسأل القارئ عن حاله هو، وما الذي اعتاد قلبه ولسانه وجوارحه عليه، وهل يسير في طريق يزيده استعدادًا للقاء الله تعالى أم في طريق يوسع بينه وبين التوبة كلما طال الزمن.
ويعود في خاتمته إلى محاسبة النفس، فيدعو المذنب إلى الصدق معها، واستدراك ما بقي من العمر، والإقلاع عن الذنوب قبل أن يفاجئه الموت. ولا يكتفي بإثارة الخوف، بل يفتح باب الرجوع؛ فالمطلوب صلاح الباطن والظاهر، وبدء حياة جديدة بالتوبة، ثم إحكامها بالعمل الصالح وملازمة الطاعة.
وبذلك يجعل «احذر سوء الخاتمة» الخوف من النهاية وسيلة لإصلاح الحاضر؛ فسلامة الخاتمة لا تُطلب عند حضور الموت وحده، وإنما تُبنى بما يختاره الإنسان في أيام صحته وقدرته. وكلما بادر إلى التوبة، وقطع الإصرار على المعصية، وسأل الله تعالى الثبات، وراقب قلبه وأعماله، كان أبعد عن الغفلة التي يحذر منها الكتاب، وأقرب إلى أن يختم حياته على طاعة واستقامة.