ينطلق أحمد بن أحمد محمد عبد الله الطويل في كتاب «اتقاء الحرام والشبهات في طلب الرزق» من الحديث النبوي الجامع في أن الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما مشتبهات، فيجعل هذا التقسيم أساسًا للكتاب كله، ويوجهه خاصة إلى باب الكسب والمعاش. ومن ثم يقسم مادته إلى 3 أبواب متتابعة: الحلال البيّن ووسائل تحصيله، والحرام البيّن وصور التكسب به وآثاره، ثم المشتبهات التي يتردد حكمها بين الحل والحرمة، رابطًا بين هذه الأقسام بمقصد واحد هو أن يتحرى المسلم مصدر رزقه، ويبتعد عما ثبت تحريمه، ويحتاط لما اشتبه عليه.
ويفتتح باب الحلال بتحديد معناه وبيان ضرورة معرفة ما يحل وما يحرم، ثم يوسع النظر في أثر تحري الحلال في حياة المسلم، فلا يقصره على الطعام والشراب، بل يدخله في العمل والمعاملات والبيع والشراء وسائر وجوه الكسب. ويقرر وجوب تحري الطريق المشروع في طلب الرزق، ويجمع في الترغيب فيه آيات وأحاديث وآثارًا تحث على العمل والاستغناء بالكسب، وتنهى عن البطالة والتواكل وسؤال الناس من غير حاجة.
ويوازن في هذا السياق بين السعي للرزق والعبادة؛ فلا يجعل الاشتغال بالمعاش ذريعة إلى تضييع الصلاة والواجبات، كما لا يجعل التفرغ للعبادة مسوغًا لترك العمل والاعتماد على الآخرين. ويخص العلاقة بين العمل والصلاة بحديث مستقل، فيؤكد أن لكل منهما حقه ووقته، وأن الموظف لا يترك الصلاة من أجل العمل ولا يتوسع في وقتها على حساب واجباته الوظيفية. ثم يصل ذلك بمفهوم التوكل، فيفرق بين التوكل المصحوب ببذل الأسباب وبين التواكل الذي يترك صاحبه السعي ثم ينتظر الرزق.
ويجعل القناعة والعفاف حاجزين يحولان بين الإنسان والكسب المحرم؛ فالقناعة عنده ليست تركًا للعمل، وإنما اكتفاء بما يأتي من الطريق المشروع وعدم مد العين إلى ما في أيدي الناس. ومن هنا يتناول التعفف عن السؤال، والمواضع التي تجوز فيها المسألة، والترهيب من اتخاذها وسيلة للتكسب مع القدرة على العمل، والترغيب في الاستغناء عنها، ثم يبين من لا تحل له الصدقة، رابطًا ذلك كله بحفظ كرامة المسلم ودفعه إلى تحصيل حاجته من عمل مباح.
ولا يكتفي ببيان فضل الحلال نظريًا، بل يفرد فصلًا لسبل الكسب التي يستطيع المسلم أن يسلكها، فيذكر الزراعة وإحياء الأرض الميتة والصناعة والتجارة ورعي الأغنام والحرف والمهن والوظائف العامة. ويبرز ما في الزراعة والإحياء من عمارة الأرض، وما في الصناعة من إنتاج ونفع، وما في التجارة من مجال واسع للكسب المشروع، ثم يعدد نماذج من المهن اليدوية والفكرية، داعيًا إلى تنمية المهارة ورفع مستوى التأهيل ومزاولة أكثر من نشاط مباح عند الحاجة بدل البحث عن زيادة الدخل من طريق محرم.
ويولي الوظيفة العامة عناية خاصة، فيربط حل الراتب بأداء العمل الذي يقابله، ويتناول إتقان العمل، والأمانة الوظيفية، والمسؤولية المترتبة على تولي المهام. فالوظيفة في هذا التصور ليست مجرد مصدر للراتب، وإنما التزام بحقوق وواجبات؛ ولذلك يدخل التفريط في ساعاتها ومهامها، وأخذ ما لا يستحقه الموظف، والاختلاس والرشوة ونحو ذلك في باب الاعتداء على الأمانة والكسب غير المشروع.
ويبدأ الباب الثاني بتعريف الحرام، ثم يمهد للنظر فيه بعرض تاريخي ينتقل فيه بين ما وقع عند اليهود، وما يتصل بالنصرانية، وما كان عليه أهل الجاهلية من تحليل وتحريم، ثم ما جاء به الإسلام من ضبط هذا الباب. ويقرر بعد ذلك أن التحليل والتحريم حق لله تعالى، فلا يملك أحد أن يحرم ما أحل الله تعالى أو يحل ما حرمه، ثم يعرض قاعدة الضرورات وإباحتها للمحظورات بقدر الضرورة، قبل أن ينتقل إلى الحكمة من وجود المحظور والترهيب من اقتحامه.
ويفصل صور الكسب الحرام من جهتين: صور عامة وصور خاصة. ففي الصور العامة يدخل كل تكسب بعين محرمة أو بمنفعة محرمة، وكل أكل لأموال الناس بالباطل؛ فيذكر التعامل بالميتة والخنزير والمسكرات والمخدرات، والربا والغلول والسرقة والغش والتطفيف والاحتكار والنهب والسلب والغصب والرشوة والميسر والقمار والاختلاس، والتكسب بالسحر والعرافة والكهانة والشعوذة، إلى جانب عدد من البيوع التي يقرر منعها لما فيها من غرر أو ظلم أو استغلال.
أما الصور الخاصة فيردها إلى مجالات الكسب نفسها التي سبق أن ذكرها في باب الحلال؛ فيتحدث عن الزراعة المحرمة حين يكون المزروع مما يحرم تعاطيه أو يستعمل في الضرر، وعن الصناعات والحرف القائمة على محرم أو المعينة عليه، وعن الكسب المتصل بالتماثيل والصور التي يقرر منعها، ثم عن التجارة المحظورة القائمة على الغش والخداع والاستغلال والاحتكار أو الاتجار بالأعيان والمنافع المحرمة. وبهذا يقيم مقابلة واضحة بين طريق الكسب في ذاته وبين الشيء الذي ينتجه أو يبيعه أو يعين على استعماله.
ثم يفرد فصلًا لآثار أكل الحرام، فيتتبعها في العقيدة والعبادة والاقتصاد ثم في الجزاء الأخروي. فيبين أثر اقتراف المحرمات في إيمان العبد، وما يترتب على إطعام الأهل والأبناء من المال المحرم، ثم يناقش صلة طيب الكسب بقبول الدعاء والصدقة وسائر العبادات. ويستفيض في بيان أن الصدقة من المال المحرم لا تحول مصدره إلى حلال، وأن حقوق العباد لا تسقط بمجرد إنفاق المال في وجوه الخير.
ويمد هذا الأثر إلى المجال الاقتصادي والحضاري، فيربط سلامة الاقتصاد بمشروعية مصدر المال وبالعمل والإنتاج الحقيقيين، ويجعل الربا والرشوة والسرقة والغصب وسائر أكل الأموال بالباطل أسبابًا لإفساد المعاملات وتعطيل الثقة والإنتاج. ثم ينتقل إلى حقوق العباد يوم القيامة، مؤكدًا ضرورة رد المظالم أو استحلال أصحابها، وأن ما تعلق بحقوق الناس لا يكفي فيه مجرد الندم مع بقاء الحقوق في الذمم.
ويخصص الباب الثالث للمشتبهات، فيعرّف المشتبه بأنه ما لم يتعين حكمه على وجه القطع أهو من الحلال أم من الحرام، ثم يفسر أسباب نشوء الاشتباه. فمنها عدم وضوح دلالة النص عند بعض أهل العلم، أو بلوغ أحد الدليلين دون الآخر، أو الجهل بالناسخ والمنسوخ، أو عدم وجود نص صريح معين والاكتفاء بعموم أو مفهوم أو قياس، أو اختلاف العلماء في دلالة الأمر والنهي. ومن هنا يربط بعض صور الشبهة باختلاف الاجتهاد في المسائل التي لا يحسمها دليل قطعي صريح.
ثم يتناول كيفية التعرف إلى الشبهة، مستندًا إلى النصوص التي تربط البر باطمئنان القلب والإثم بما يحوك في النفس ويُكره اطلاع الناس عليه، ويجعل ترك ما يورث الريبة طريقًا إلى الاحتياط للدين. وبعد ذلك ينقل اختلاف العلماء في حكم الوقوع في المشتبهات بين التحريم والكراهة والإباحة والتوقف، ويتعرض لمسألة اختلاط المال الحلال بالحرام وكيفية التعامل معه، مع بيان اختلاف الفقهاء في بعض صورها.
ويجعل الموقف العملي من الشبهة قائمًا على الورع والاحتياط؛ فتركها أولى إذا خيف أن تفضي إلى الحرام أو تكون حرامًا في حقيقة الأمر، وقد يصبح الترك واجبًا إذا استلزم الفعل الوقوع في المحرم. ويسوق لذلك جملة من الآثار والنماذج في ورع الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم، ولا سيما ما ورد في التثبت من مصادر الطعام والمال، وترك الانتفاع بما يخشى أن يكون قد دخل فيه حق للغير.
ويورد بعد ذلك نماذج تطبيقية لما يعده من المشتبهات في المطعومات والمشروبات والملبوسات والمكاسب، ومن مسائل الكسب التي يذكرها العِينة والتورق. ويضع قاعدة عامة مفادها أن ما تردد بين الكراهة والإباحة يكون تركه من الورع، وما دار بين التحريم والكراهة كان الاجتناب فيه آكد.
ويختم بثلاث مسائل جعلها أمثلة للمختلف فيه الذي ينبغي توقيه: الدخان، والغناء، وحلق اللحية. فيجمع لكل مسألة النصوص والأقوال التي يستند إليها، ثم يصل الحكم بالفعل نفسه بحكم التكسب من مجاله؛ فيناقش الاتجار بالدخان والترويج له، والعمل المتصل بالغناء والموسيقى وآلات اللهو، والعمل في حلق اللحية. وينتهي بذلك إلى إعادة الكتاب إلى غايته الأولى: بيان حقيقة الحلال البيّن والحرام البيّن والمشتبه فيه، وفتح أبواب واسعة للكسب المشروع، والتحذير من الطريق المحرم، والدعوة إلى الاحتياط فيما يخشى أن تكون فيه شبهة حرام.