من لحظة استيقاظ الإنسان إلى عودته إلى فراشه يرسم أبو زكريا يحيى بن شرف النووي في «حلية الأبرار وشعار الأخيار في تلخيص الدعوات والأذكار المستحبة في الليل والنهار»، المعروف بـ«الأذكار»، مسارًا يربط أحوال اليوم والليلة بما ورد فيها من ذكر ودعاء وآداب. وقد أنشأ الكتاب استجابةً لمشكلة محددة؛ إذ رأى أن مصنفات عمل اليوم والليلة والدعوات مطولة بالأسانيد والتكرار، فاختار حذف معظم الأسانيد وتقريب المادة للمتعبدين، مع تعويض ذلك ببيان درجة الحديث من صحة وحسن وضعف، وإضافة مسائل من علم الحديث ودقائق الفقه والقواعد ورياضة النفس والآداب، وحرص على أن تكون عبارته مفهومة للعامة والمتفقهين. ويعتمد في الأصل على «صحيح البخاري» و«صحيح مسلم» و«سنن أبي داود» و«الترمذي» و«النسائي»، ولا يخرج إلى غيرها إلا في مواضع، ويقلل من إيراد الضعيف ويبين ضعفه غالبًا، مع تقريره جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب بشروطه، لا في أحكام الحلال والحرام. وقبل الدخول في الأذكار المفردة يهيئ قارئه لجانبها الباطن؛ فيبدأ بالإخلاص وحسن النية، ويبين أن الذكر يكون بالقلب واللسان وأن الجمع بينهما أفضل، وأن المقصود حضور القلب وتدبر معنى ما يقوله الذاكر، ويتناول طهارة موضع الذكر وآداب الذاكر وقضاء الوظيفة إذا فات وقتها وما يقطع الذكر ثم يعود إليه. وبعد باب في فضل الذكر يبدأ الترتيب العملي باستيقاظ الإنسان من نومه، ثم اللباس والخروج من البيت ودخوله، والخلاء والوضوء والغسل والتيمم، والذهاب إلى المسجد، والأذان والإقامة، وأذكار الصلاة من تكبيرة الإحرام والاستفتاح والقراءة والركوع والسجود والتشهد إلى ما بعد السلام، ثم أذكار الصباح والمساء وأوقات النهار والوتر والنوم والاستيقاظ في الليل، فيتحول تعاقب الأبواب إلى متابعة متصلة لتعاقب أفعال المسلم خلال يومه وليلته.
ولا يظل «الأذكار» محصورًا في الأوراد المرتبطة بالساعات؛ فبعد دورة اليوم والليلة يفتح النووي أبوابًا مستقلة لتلاوة القرآن وآدابها، وحمد الله تعالى، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ينتقل إلى «الأذكار والدعوات للأمور العارضات» التي لا يلتزم فيها ترتيبًا زمنيًا لأنها مرتبطة بأسباب طارئة، مثل الاستخارة والكرب والخوف والهم والحزن وتعسر الأمور والدَّين والوسوسة والتعويذ. ويتبع ذلك المرض والموت وما يتصل بعيادة المريض وتلقين المحتضر والتعزية والجنائز، والأذكار في صلوات مخصوصة، ثم الزكاة والصيام والاعتكاف والحج الذي يرتبه على أعمال النسك نفسها، والجهاد والسفر، والطعام والشراب، والسلام والاستئذان وتشميت العاطس، والنكاح، والأسماء والكنى، ثم أبواب متفرقة لما يجدّ للإنسان من بشارة أو نعمة أو خوف أو معاملة ومخالطة. ويكشف «كتاب حفظ اللسان» أن مفهوم الذكر عنده لا يقتصر على تعليم ما ينبغي أن يقال؛ إذ يضم إليه ما ينبغي اجتنابه من الأقوال حتى يكون الكتاب جامعًا لأحكام اللفظ، فيبحث الصمت والغيبة والنميمة والكذب والمراء والخصومة والمزاح واللعن والمدح وغيرها، مع بيان المستثنيات والضوابط الفقهية. ويؤخر «كتاب الاستغفار» عمدًا تفاؤلًا بأن يختم به، ثم يلحق في آخر ما قصده 30 حديثًا يصفها بأنها مما تدور عليه أحكام الإسلام، فيعيد منها حديث «إنما الأعمال بالنيات» الذي افتتح به مباحث الإخلاص، ويمضي في أحاديث جوامع تتناول الحلال والحرام والنصيحة والإحسان والغضب والتقوى والاستقامة وحفظ اللسان، حتى يجعل الحديث الثلاثين خاتمة الكتاب: حديث أبي ذر رضي الله عنه القدسي في تحريم الظلم، والافتقار إلى الهداية والرزق والمغفرة، ومحاسبة الإنسان على عمله؛ وهو ختام يعيد القارئ من كثرة الأذكار المفردة إلى الأصل الذي تنتظم فيه كلها: عمل العبد وافتقاره إلى ربه ومراجعته لنفسه.