تتعامل رقية بنت محمد المحارب في هذا الكتاب مع الدمع باعتباره أثرًا يختلف حكمه باختلاف سببه، ولذلك لا تجمع أخبار الباكين على طريقة كتب الرقائق وحدها، بل تستقرئ المواضع التي ورد فيها البكاء لفظًا أو معنى في القرآن والسنة، ثم تصنفها وتخرّج أحاديثها وتضم إليها ما يتعلق بها من تفسير ومسائل فقهية وأقوال للعلماء. وتذكر أن القرآن ورد فيه البكاء في 8 آيات؛ 5 منها باللفظ و3 بالمعنى، وأن كثرة الأحاديث حملتها على اختيار نماذج من الكتب الستة بدل استيعابها جميعًا، ثم تقسم الدراسة إلى تمهيد و3 أبواب: الممدوح والمذموم والمباح. ويبدأ التمهيد بتعريف البكاء لغةً واصطلاحًا وبيان مراتبه من تهيؤ العين للدمع إلى النشيج والعويل، ثم يستعرض ما سبق من مؤلفات مستقلة في الرقة والبكاء وبكاء النبي صلى الله عليه وسلم والبكاء عند القرآن. أما الباب الأول فيجعل معيار المدح ثناء الكتاب أو السنة على باعث البكاء؛ فيبدأ بالبكاء عند قراءة القرآن، مستشهدًا ببكاء النبي صلى الله عليه وسلم حين قرأ عليه ابن مسعود رضي الله عنه، وبشدة بكاء أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وغيرهما من الصحابة عند التلاوة، ثم يبحث البكاء في الصلاة والخلاف الفقهي في أثر الأنين والتأوه والصوت فيها، مع تقرير مشروعية البكاء من خشية الله تعالى من غير تكلف الصراخ والغشي والاضطراب. ويتسع بعد ذلك لأسباب أخرى: الخوف من النار والقبر والحساب والظلم والرياء والفتن، والبكاء عند العجز عن تحصيل شيء من مراضي الله تعالى، كما في الذين لم يجدوا ما يحملهم إلى الجهاد ففاضت أعينهم حزنًا، ثم «بكاء التوبة» الذي ينشأ من الندم واستحضار الذنب والخوف من عاقبته والعزم على عدم العودة إليه، وأخيرًا «بكاء استشعار مقام النبي صلى الله عليه وسلم»، حيث تربط بين الدمع وبين إجلال منزلته والتألم لما أصابه أو لما يعد تقصيرًا في حقه، وتورد ضمن ذلك بكاء ابن عباس رضي الله عنهما عند تذكر مرض النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخميس، وبكاء أبي هريرة رضي الله عنه حين سمع من أمه كلامًا يكرهه في رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويقابل الباب الثاني هذه الصور بنوعين من البكاء المذموم: النياحة، وبكاء التصنع والكذب. ففي النياحة تفرق المؤلفة بين مجرد دمع الحزن الذي لا يملكه صاحبه وبين ما يصاحبه من صياح وعويل ولطم للخدود وشق للجيوب وألفاظ السخط، وتورد النهي عن النياحة والإسعاد فيها، ثم تجعل بكاء إخوة يوسف مثالًا على أن الدموع لا تصلح وحدها دليلًا على صدق صاحبها، إذ يستطيع الإنسان أن يتخذها ستارًا للخداع. ومن هذا الحد الفاصل تدخل إلى الباب الثالث، وهو أوسع أبواب الدراسة، فتجعل المباح ما لم يتعلق به مدح أو ذم، أو ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فعله أو إقراره من البكاء الفطري. وتبدأ ببكاء الحزن، وفي مقدمته بكاء النبي صلى الله عليه وسلم عند موت ابنه إبراهيم مع بقاء اللسان منضبطًا بما يرضي الله تعالى، ثم تفرد مسألة للبكاء على الميت وتعرض أقوال الفقهاء في الجمع بين أحاديث بكاء النبي صلى الله عليه وسلم والنهي عن النوح. وبعدها تميز دوافع دقيقة للدمع: بكاء الألم النفسي أو الجسدي، ومنه دموع مغيث خلف بريرة وبكاء الطفل الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يخفف الصلاة لأجله مراعاةً لأمه؛ وبكاء الشوق؛ وبكاء الرحمة والشفقة؛ و«بكاء الموافقة» حين يبكي المرء لبكاء غيره، وتقرر أن حكمه يتبع سببه بعد معرفته؛ ثم بكاء العتب، كما في بكاء عائشة رضي الله عنها زمن الإفك؛ وبكاء الفرح، ومن أمثلته بكاء أُبي بن كعب رضي الله عنه حين أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أمره أن يقرأ عليه سورة البينة وسمّاه له. ولا تقف عند الإنسان، بل تختم الأنواع ببكاء الشيطان عند سجود ابن آدم، ثم بما تسميه بكاء الجماد، فتناقش قوله تعالى: ﴿فما بكت عليهم السماء والأرض﴾ وما قيل في حمله على الحقيقة أو المجاز، وتورد حنين الجذع الذي فارقه النبي صلى الله عليه وسلم حتى ضمه فسكن. وتعود الخاتمة إلى النتيجة التي تضبط الكتاب كله: البكاء ليس له حكم واحد في ذاته، وإنما يتبع موجبه؛ فقد يكون مستحبًا، أو محرمًا أو مكروهًا، أو مباحًا بوصفه استجابة فطرية للألم والحزن، وترى أن السنة لا تقمع هذه الفطرة بل تهذبها وتمنعها من التحول إلى جزع يفسد على الإنسان معاشه وعبادته، ثم توصي بأن تتجه دراسات علم النفس الإسلامي إلى تحليل هذه الجوانب وتطبيقها على الواقع.