يكشف حسن موسى الشاعر في هذا الكتاب هويةَ صاحب كتاب «البسيط» الذي تكرر النقل عنه في مصنفات أبي حيان الأندلسي ومن جاء بعده من النحاة، من غير تصريح في كثير من تلك المواضع باسم مؤلفه، مما أدى إلى اضطراب نسبته عند عدد من المحققين المعاصرين. وينطلق الباحث من استقصاء الكتب النحوية التي حملت اسم «البسيط»، فيميز بين «البسيط في شرح جمل الزجاجي» لابن أبي الربيع، و«البسيط في شرح الكافية» لركن الدين الاستراباذي، وبين «البسيط في النحو» المقصود بالبحث، ويبين من خلال اختلاف محتويات هذه المصنفات والنقول المنسوبة إليها أن صاحب «البسيط» المراد ليس ركن الدين الاستراباذي، وإنما ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن علي الإشبيلي المعروف بابن العِلْج.
ويتتبع الشاعر مظاهر الخطأ في نسبة الكتاب إلى ركن الدين الاستراباذي، فيعرض ما وقع فيه محققو «البرهان في علوم القرآن» و«همع الهوامع» و«خزانة الأدب» و«تخليص الشواهد» وغيرها، ويبين كيف أدى الاشتراك في اسم «البسيط» إلى الخلط بين شرح الاستراباذي للكافية وكتاب ابن العلج. ويقف خاصة عند تحقيق «الأشباه والنظائر»، حيث نُسب «البسيط» في مواضع إلى الاستراباذي وفي مواضع أخرى إلى ابن العلج، مع أن السيوطي نفسه نص على أن ضياء الدين بن العلج هو صاحب «البسيط في النحو»، ووصف كتابه بأنه كبير نفيس في عدة مجلدات.
ويعتمد الباحث في إثبات شخصية صاحب «البسيط» على نصوص صريحة، في مقدمتها قول أبي حيان في «البحر المحيط» إن ضياء الدين أبا عبد الله محمد بن علي الإشبيلي المعروف بابن العلج صنف «البسيط في النحو»، ثم يضم إليه ترجمة ابن قاضي شهبة وما أورده السيوطي. ومن هذه الشذرات يرسم صورة موجزة لابن العلج: أندلسي من إشبيلية، تتلمذ لأبي علي الشلوبين، وكان من طبقة ابن عصفور وغيره من تلامذته في القرن السابع الهجري، ثم غادر الأندلس ووصل إلى اليمن فأقام بها وصنف. أما تاريخا ولادته ووفاته فلا يثبت لهما نص صريح، ويقدّر الباحث وفاته في الثلث الأخير من القرن السابع الهجري اعتمادًا على طبقته وصلته بتلامذة الشلوبين.
ويخصص قسمًا لتتبع حضور «البسيط» في التراث النحوي اللاحق، فيبين أن أبا حيان هو المصدر الأوسع للنقل عنه، إذ أكثر من ذكره في «التذييل والتكميل» و«ارتشاف الضرب»، تارة بقوله «في البسيط»، وتارة «صاحب البسيط» أو باسم ابن العلج، وكان ينقل نصوصه أحيانًا كاملة ويختصرها أحيانًا أخرى، وقد يوافقها أو يصف بعضها بالوهم ويرد عليها. ثم يتتبع أثر الكتاب عند المرادي وابن هشام وابن عقيل والأسنوي والزركشي وخالد الأزهري والسيوطي وعبد القادر البغدادي، موضحًا كثرة تداول آراء ابن العلج مع ضياع كتابه أو عدم تيسر الوصول إليه.
ويستخلص الشاعر من هذه النقول ملامح المنهج النحوي لصاحب «البسيط»، فيصفه باستيعاب مذاهب السابقين والموازنة بينها والترجيح من غير تعصب لمذهب بعينه. فقد نقل ابن العلج عن البصريين والكوفيين وعن سيبويه والأخفش والمبرد والسيرافي وأبي علي الفارسي وغيرهم، واختار بعض آرائهم وخالف بعضها. ويظهر اهتمامه الخاص بسيبويه في مسائل «عسى» وبدل الغلط وحرف التعريف والوصف بـ«إلا»، مع قدرته على الاعتراض عليه حين يخالف ما يقوى عنده من القياس. كما صحح بعض مذاهب البصريين، ونقل أقوال الكوفيين، ورد على الزمخشري في الفصل بـ«إلا» بين الموصوف وصفته، بما يكشف عن نزعة نقدية تقوم على الموازنة لا مجرد الجمع والنقل.
ويبرز البحث منزلة القياس والسَّماع والتعليل في منهج ابن العلج؛ فهو يحتج بالقياس في قبول بعض الأحكام ورد بعضها، ويقرر أن الضرورة لا يقاس عليها، لكنه يقدم السَّماع على القياس إذا تعارضا، كما في رده على منع الكوفيين عمل صيغ المبالغة بقوله إن النص مقدم على القياس. ويعنى كذلك بتعليل الظواهر، كمنع «رحمن» من الصرف، وبناء «أمس»، وتسمية عطف البيان، وفتح همزة الوصل في أداة التعريف. ويختم الشاعر بعرض نماذج من آراء صاحب «البسيط» في الممنوع من الصرف، والمفعول المطلق، وأفعال التصيير، وبدل الفعل من الفعل، و«لكنَّ»، وعمل اسم المصدر، والتنازع، والظرف، وحذف حروف المعاني وزيادتها، والحال وتمييز العدد، لتتكون من النقول المتفرقة صورة علمية لمؤلف وكتاب كان لهما حضور واسع في كتب النحو مع غموض طويل في نسبتهما.