يُفرد أبو نصر عبيد الله بن سعيد السِّجزي في هذه الرسالة مسألةَ كلام الله تعالى والقرآن بالبحث والمناظرة. وقد كتبها استجابةً إلى أهل زَبيد بعد وقوفهم على كتابه الكبير «الإبانة» وسؤالهم أن يُجرِّد لهم الكلام على الحرف والصوت من الأسانيد الكثيرة التي تخللت ذلك الكتاب، ليكون أيسر في معرفة حُجج المخالفين والرد عليها. ورتّب ما يحتاجون إليه في 11 فصلًا، تبدأ بتحديد مصدر الحُجَّة في مسائل الاعتقاد وبيان معنى السُّنَّة وأهلها، ثم تنتقل إلى مناقشة مقالة الكُلّابية والأشعرية في كلام الله تعالى، وإثبات الحرف والصوت، وتتسع بعد ذلك لمسائل الصِّفات والتأويل والتحذير من التلبيس في المذاهب والكتب.
ويجعل السِّجزي أصلَ منهجه أن المرجع في الاعتقاد هو السَّمع، وأن العقل أداة للتمييز لا أصلٌ يُعارَض به الوحي؛ فيصرح بأن ما ثبت بالكتاب والسُّنَّة يُقبل ولا يُترك لشبهة مخالفة. ثم يقرر أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، منزل بلسان عربي، يُقرأ ويُتلى، وله أول وآخر، ويرد على القول بأن الكلام الإلهي معنى قائم بالنفس لا حرف فيه ولا صوت، وأن القرآن العربي المتلو إنما هو حكاية أو عبارة عن ذلك المعنى. ويرى أن هذا التفريق يفضي إلى جعل القرآن المعروف المتلو والمكتوب غيرَ كلام الله تعالى على الحقيقة، ولذلك يكثر من إلزام خصومه بما يترتب على تعريفهم للكلام والقرآن.
ويحتج للحرف والصوت من جهاتٍ متعددة؛ فيستند إلى ألفاظ القرآن الكريم في السماع والتكليم والنداء، وإلى الأحاديث والآثار المنقولة عن السَّلف، ثم يستعين بدلالة اللغة، فيقرر أن حقيقة الكلام عند العرب قائمة على الحروف المتسقة والأصوات، وأن ما خلا منهما لا يسمى كلامًا حقيقةً إلا على سبيل التوسع. ويناقش الاعتراض القائل إن الصوت لا يوجد إلا بآلة أو هواء منخرق، فيرفض قياس صفة الله تعالى على كيفية كلام المخلوق، ويقرر إمكان إثبات ما دل عليه السمع من غير أن يلزم منه إثبات آلات المخلوقين وصفاتهم. ومن هنا يجمع بين الاستدلال النقلي والمناقشة اللغوية والعقلية، مع جعل النص هو الأصل الحاكم في الباب.
ولا تقتصر الرسالة على مسألة الكلام؛ إذ يجعل السِّجزي الخلاف فيها متصلًا بمنهج أوسع في باب صِفات الله تعالى، فيتعقب التأويل في الاستواء والنزول واليدين وغيرها، ويناقش مَن يثبت ألفاظ الصِّفات ثم يصرفها عن ظواهرها بدعوى نفي التشبيه. كما يعرض جانبًا من مقالات اللفظية والأشعرية والكُلّابية والمعتزلة ويقارن بينها، ويحرص على كشف ما يراه من تناقضها ولوازمها. ويختم منهجه بالتحذير من الأخذ عن كل أحد أو الاعتماد على كل كتاب، لكثرة ما يراه من التلبيس والكذب في نقل المذاهب، وينصح المبتدئ والعامي بألّا يخوضا في مجادلة المخالف قبل إحكام المذهب والحُجَّة. فالرسالة دفاعٌ جدليٌّ مركز عن إثبات أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، وأن كلامه بحرف وصوت على الوجه اللائق به، ضمن معالجة أوسع لأصول التلقي ومناهج الاستدلال ومسائل الصِّفات.