يَنظم القحطاني في «النونية» قصيدةً مطوّلة تجمع مسائل الاعتقاد والفقه والسلوك والآداب، ويفتتحها بالدعاء والتضرع إلى الله تعالى وتعظيم القرآن، وسؤاله الهداية وإصلاح القلب وتزكية النفس. ثم ينتقل مبكرًا إلى مسألة كلام الله تعالى، فيقرر أن القرآن كلامه غير مخلوق، وأن الله تعالى متكلم إذا شاء، ويثبت الكلام والصوت مع نفي مماثلة كلامه لكلام المخلوقين، كما يقرر الاستواء على العرش، وينفي تكييف ذات الله تعالى وصِفاته أو قياسها على صِفات الخلق. ثم يتناول القَضاء والقَدَر، وعلم الله تعالى السابق ومشيئته، والملائكة الكاتبين، وعذاب القبر ونعيمه، والبعث، والصراط، والحوض، والميزان، والصُّحف، ورؤية المؤمنين لله تعالى يوم القيامة، والجنة والنار، والشفاعة، وحال أصحاب الكبائر.
ويفرد جانبًا ظاهرًا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم وأهل بيته، فيقرر فضل الصحابة ومحبتهم، ويقدم أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليًّا رضي الله عنهم في الخلافة، ويثني على عائشة رضي الله عنها والعشرة وأهل بيعة الرضوان، ويدعو إلى الكف عما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم وعدم تلقي كل ما تنقله كتب الأخبار والتواريخ بلا تثبت. ويقرر أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالتقوى وينقص بالمعصية، ولا يكفّر المسلم بمجرد الكبيرة. وفي المقابل يشتد في الرد على الروافض، ثم يهاجم الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم من أهل الكلام، ويجعل طريقه في باب الصِّفات إمرار النصوص كما جاءت من غير تأويل ولا تكييف ولا تمثيل، مع إثبات الوجه واليدين والعينين والنُّزول والضحك وغيرها مما يورده في القصيدة.
ولا تقتصر النونية على مسائل الاعتقاد؛ إذ تنتقل إلى أحكام عملية كثيرة في الصلاة والزكاة والصيام والحج والجنائز ورؤية الهلال والطهارة والوضوء والغُسل والتيمم والحيض والنفاس، ثم أحكام النكاح والطلاق والعِدَد وبعض الحدود والأيمان والنذور. وتظهر فيها اختيارات فقهية محددة، مع إشارات إلى مذهب مالك في بعض المسائل. كما يورد أشراط الساعة؛ كطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجال ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام.
ويمتزج بهذه الأبواب قدر كبير من الوصايا الأخلاقية؛ فيحث على طلب العلم والعمل، والورع والزهد والصبر والقناعة والتوبة وبر الوالدين وصلة الأرحام وإكرام الضيف، ويحذر من الحسد والنميمة والجدال والكبر والشهوات. كما يرد على التنجيم والكهانة وإسناد الحوادث إلى تأثير الكواكب، ويناقش الفلاسفة وأصحاب القول بالطبيعة، ويحذر من علم الكلام وتقديم المقاييس العقلية على نصوص الشرع. وفي خاتمة القصيدة يصرح بأنها جمعت «علومًا جمّة»، ويجعل القرآن والشرع عمدته في مجادلة مخالفيه، ثم يختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه رضي الله عنهم.