يقرر شمس الدين الذهبي في «المقدمة الزهرا في إيضاح الإمامة الكبرى» أن أمر المسلمين لا يستقيم إلا بإمام واحد تجتمع عليه كلمتهم، ثم يجعل من هذا الأصل مدخلًا إلى القضية التي يدور عليها معظم الكتاب: هل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نصٌّ يعيّن عليًّا رضي الله عنه للخلافة من بعده، أم انعقدت الخلافة لأبي بكر رضي الله عنه باختيار الصحابة رضي الله عنهم واجتماعهم عليه؟ ويرجح الذهبي الوجه الثاني، مستدلًّا بما جرى في السقيفة، ومبايعة المهاجرين والأنصار لأبي بكر رضي الله عنه، ثم مبايعة علي رضي الله عنه له، ويرى أن هذه الوقائع لا توافق دعوى وجود نصٍّ معلوم على إمامة علي رضي الله عنه كتمه الصحابة رضي الله عنهم أو خالفوه. ومن هذه المسألة يتشعب بحثه في ترتيب الخلفاء، وما وقع بين الصحابة رضي الله عنهم بعد ذلك، ثم في دعوى حصر الإمامة في أئمة معينين من أهل البيت والقول بعصمتهم وعلمهم الشامل.
ويستقصي الذهبي حجته بالرجوع إلى مواقف أصحاب الوقائع أنفسهم؛ فيسأل عن موقف علي والعباس والزبير وبني هاشم رضي الله عنهم لو كان النص على الخلافة ثابتًا مشهورًا، ويحتج بعدم ظهور الاستناد إليه في السقيفة أو الشورى أو حين آلت الخلافة إلى علي رضي الله عنه. ثم يعرض للجمل وصفين، فيقرر أن عليًّا رضي الله عنه كان أولى بالحق، وأن من خالفه من الصحابة رضي الله عنهم كان متأولًا مجتهدًا، ويدعو إلى الكف عما شجر بينهم. ويجعل صلح الحسن رضي الله عنه مع معاوية رضي الله عنه ذا دلالة خاصة في باب الإمامة؛ إذ يرى أن نزوله عن الأمر مع قدرته وأنصاره يدل على جواز انعقاد الخلافة للمفضول مع وجود الأفضل إذا اقتضت المصلحة اجتماع الكلمة وحقن الدماء.
ويتوجه القسم الأخير إلى أصول الإمامة عند الاثني عشرية، فيناقش حصرها في سلسلة معينة من ذرية علي رضي الله عنه، وما أضيف إلى أولئك الأئمة من العصمة والعلم المحيط بالشريعة. ويقارن بين منزلة بعض أئمة أهل البيت وبين علماء عصورهم، ليقرر أن شرف النسب لا يستلزم التفوق المطلق في العلم والفضل، ثم يحتج بمقدار ما نُقل عن بعضهم من الحديث والفتوى على ما يراه من ضعف دعوى إحاطة كل إمام بعلم الشريعة كله. ويخص عقيدة الإمام الثاني عشر بنقد شديد، رافضًا القول ببقائه حيًّا في الغيبة قرونًا وما يتصل بذلك من دعاوى العصمة والعلم الشامل. وبذلك تنتظم الرسالة في مسار واحد: تقرير وحدة الإمامة، والدفاع عن صحة خلافة أبي بكر ثم ترتيب الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وقراءة أحداث صدر الإسلام في ضوء ذلك، ثم نقض دعوى النص والعصمة وحصر الإمامة في أئمة مخصوصين.