يشرح أبو إسحاق إبراهيم بن السَّري الزَّجّاج في هذا الكتاب معانيَ أسماء الله تعالى التسعة والتسعين التي ساقها في صدر الكتاب، مبينًا أصولها اللغوية ودلالاتها وما يليق منها بالله تعالى. وقد أملى الزجّاج هذا التفسير استجابةً لطلب القاضي إسماعيل بن إسحاق، ثم نُقل عنه وحُفظ من طريق أبي علي الفارسي. ويستهل الكتاب ببيان معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن أحصاها دخل الجنة»، فيتتبع دلالات الإحصاء في كلام العرب من العدّ والتمييز والطاقة والعقل والتدبر، ثم يعرض الخلاف في عدّ اسم «الله» تعالى ضمن التسعة والتسعين، ويتناول لفظ الجلالة من جهة أصله واشتقاقه ومعناه، قبل الشروع في تفسير الأسماء اسمًا اسمًا.
ويقوم شرح الزجّاج في جانب كبير منه على التحليل اللُّغوي؛ فيرجع كل اسم إلى مادته في العربية، ويبحث وزنه الصرفي وما تفيده صيغته من معنى أو مبالغة، ثم يبيّن الدلالة التي يصح حمل الاسم عليها في حق الله تعالى. ويستعين في ذلك بالقرآن الكريم وكلام العرب والشِّعر وأقوال أئمة اللغة. فيفسر «الخالق» من أصل الخَلْق بمعنى التقدير، ويميّز بين «الخالق» و«البارئ» و«المصوّر»، ويرد «الغفار» إلى السَّتر، و«القهار» إلى القهر والتذليل، و«الفتاح» إلى الفصل والحكم، و«الحكم» إلى المنع، و«اللطيف» إلى خفاء المسلك ودقته، مع استبعاد المعاني التي تختص بأجسام المخلوقين ولا تليق بالله تعالى.
ويعتني كذلك بالفروق بين الأسماء المتقاربة وبدلالة اختلاف أبنيتها؛ فيبيّن الفرق بين «الرحمن» و«الرحيم»، ويربط بعض صيغ المبالغة بزيادة المعنى، ويناقش اجتماع «الغفار» و«الغفور»، ويميّز بين «الواحد» و«الأحد»، وبين «الحكم» و«الحكيم». كما ينبه إلى أسماء يكتمل معناها عند اقتران بعضها ببعض، مثل «القابض والباسط» و«الضار والنافع»، لما يدل عليه الجمع بينها من تمام القدرة والحكمة. وتظهر في هذه المواضع عنايته الدقيقة ببنية اللفظ، فلا يَعُدّ تقارب الأسماء تكرارًا محضًا، بل يبحث عما يختص به كل اسم من معنى.
ويمضي الزجّاج على هذه الطريقة حتى آخر الأسماء، فيفسر «الأول والآخر» بالسبق والبقاء، و«الظاهر والباطن» بما يراه من دلالاتهما، ويتناول «الغني والمغني والمانع والضار والنافع والنور والهادي والبديع والباقي والوارث والرشيد والصبور»، وينتهي إلى «الصبور» رابطًا معناه بأصل الصبر في العربية وهو الحبس، ومقرِّبًا دلالته من معنى «الحليم». فالكتاب تفسيرٌ لغويٌّ لأسماء الله تعالى الحسنى، تظهر فيه صناعة الزجّاج النحوية واللغوية بوضوح، ويجمع بين الاشتقاق والصرف والشواهد العربية وتفسير المعنى، مع الحرص على تمييز الدلالة اللائقة بالله تعالى مما لا يجوز حمل أسمائه عليه.