يتولى محمد بن أحمد السفاريني في «لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية» شرح القصيدة الحائية في العقيدة لأبي بكر عبد الله بن أبي داود، وقد بيّن أن أصل الكتاب كتابة دوّنها على القصيدة في أيام طلبه للعلم، ثم عاد إليها سنة 1176هـ فحررها ووسعها بقصد بيان ما يراه مذهب السلف وما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم واعتقاد أهل الأثر. ويهيئ للشرح بمقدمة ذات ثلاثة مقاصد وخاتمة؛ يترجم في أولها للناظم ولأبيه أبي داود صاحب «السنن»، ثم يبحث حقيقة مذهب السلف ومن يدخل في مسماه وطريقتهم في الاعتقاد، ويجعل المقصد الثالث في وجوب الاعتصام برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وكون الهدى في متابعته، ثم يختم المقدمة بتمهيد في تقسيم العلوم والأحكام، والفرق بين المسائل العملية والاعتقادية ونشأة تدوينها وطرائق الاستدلال فيها. ثم يدخل في أبيات الحائية، فيبدأ بالأمر بالتمسك بالقرآن والسنة والتحذير من البدع، ويتوسع في مسألة كلام الله تعالى والقرآن، فيقرر أنه كلام الله غير مخلوق، ويناقش الوقف في القرآن ومسألة اللفظ، وما نشأ حول ذلك من مقالات الجهمية وغيرهم. وينتقل إلى ما تضمنته القصيدة من أبواب الصفات، فيبحث رؤية المؤمنين ربهم، واليدين، والنزول، ويشرح هذه النصوص على ما يراه طريقة أهل الأثر من الإثبات من غير تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل، ويضيف الكلام على الاستواء مع أن الناظم لم يفرده ببيت مستقل.
ويتسع الشرح بعد ذلك لمسائل الصحابة رضي الله عنهم؛ فيتناول ترتيب الخلفاء في الفضل، فيقدم أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليًا رضي الله عنهم، ويشرح ما ورد في بقية العشرة المبشرين بالجنة، ثم يعقد كلامًا عامًا في فضل الصحابة ووجوب الكف عن الطعن فيهم، ويتناول ضمن الأبيات الملحقة بالقصيدة فضائل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ومعاوية رضي الله عنه والمهاجرين والأنصار والتابعين. ثم يشرح الإيمان بالقدر، وسؤال منكر ونكير وعذاب القبر، والحوض والميزان، وإخراج عصاة الموحدين من النار، وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، ويستدرك مسائل لم يفردها الناظم، كالصُّحف والصراط والحساب، تتميمًا لما يتعلق بأحوال الآخرة. ويعقب ذلك ببحث حكم أهل القبلة وأصحاب المعاصي، فيرفض تكفيرهم لمجرد الذنوب، ويناقش مذهب الخوارج والإرجاء، ثم يقرر في باب الإيمان أنه قول واعتقاد وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وطريقته في عامة الشرح أن يفكك ألفاظ البيت ومعانيه، ثم يمد المسألة بالنصوص والآثار وأقوال المتقدمين والمتأخرين، ويعرض مذاهب المخالفين ويناقشها، ولا يقف دائمًا عند حدود ما صرح به الناظم بل يستطرد إلى ما يراه متممًا للمبحث. وتلتقي خاتمة القصيدة مع الغرض الذي أقام عليه السفاريني شرحه كله؛ إذ يعود إلى تقديم قول النبي صلى الله عليه وسلم على آراء الرجال، والتحذير من الطعن في أهل الحديث، ويشرح البيت الأخير بأن السلامة عنده في الاعتماد على الكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة والتابعون وأئمة السلف، دون بناء الاعتقاد على الآراء والمقدمات الكلامية والفلسفية.