يناقش الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني في «تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد» ما رآه من صور التعلق بالقبور وببعض الأحياء الذين تُنسب إليهم المكاشفات ومعرفة المغيبات، ويجعل بيان توحيد العبادة أصلًا للحكم على تلك الممارسات؛ إذ صرّح بأن انتشارها في عدد من بلاد المسلمين هو الذي حمله على تأليف الكتاب. ويبدأ بخمسة أصول، فيقرر صدق ما جاء في القرآن ووجوب الإيمان به، وأن الرسل عليهم السلام بُعثوا لدعوة الناس إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، وأن معنى «لا إله إلا الله» لا يتحقق بمجرد النطق بها، بل بإفراد الله بالإلهية والعبادة والبراءة مما يُعبد من دونه. ثم يفرق بين توحيد الربوبية، وهو الإقرار بأن الله تعالى الخالق الرازق المدبر، وتوحيد العبادة الذي يقتضي إفراده بجميع أنواعها، ويحتج بأن المشركين كانوا مقرين بربوبية الله تعالى، وإنما وقع شركهم في اتخاذ الوسائط والشفعاء وصرف شيء من العبادة لهم. وبعد بيان معنى العبادة يقسم صورها إلى اعتقادية وقولية وبدنية ومالية، ويدخل فيها الدعاء والاستغاثة والنذر والنحر والتوكل والخضوع والطواف وغيرها، ثم ينزل ذلك على ما يقع عند القبور من دعاء أصحابها وطلب قضاء الحاجات وكشف الكربات، والنذر والذبح لهم والطواف بقبورهم والحلف بأسمائهم. ويجري جانبًا كبيرًا من الرد في صورة سؤال وجواب؛ فيفرق بين طلب العون من الحي فيما يقدر عليه وبين الاستغاثة بميت أو غائب فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، ويناقش الاحتجاج بالنطق بالشهادتين، أو بجهل الفاعل بحقيقة ما يفعل، أو بشيوع هذه الممارسات وسكوت بعض المنتسبين إلى العلم عنها. كما يتناول النذور التي تقدم للمشاهد وأخذ سَدَنتها لها، وما يراه من تلبيس الكهان ودعاوى الخوارق، ويتعرض لما ينسب إلى بعض «المجاذيب» من أحوال غير معتادة، رافضًا اتخاذ الخارق وحده علامة على الولاية، ومقررًا في خاتمة الكتاب أن الميزان هو موافقة الكتاب والسنة أو مخالفتهما.
ويعالج محمد بن علي الشوكاني في الرسالة الملحقة «شرح الصدور بتحريم رفع القبور» مسألة بناء القباب والمساجد والمشاهد على القبور، لكنه يمهد لها بأصل أوسع في التعامل مع اختلاف العلماء؛ فيقرر أن المرجع عند التنازع هو كتاب الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن مكانة المجتهد أو تقدمه في العلم لا تجعل قوله حجة إذا خالف الدليل، مع إثبات العذر والأجر للمجتهد المخطئ إذا استوفى الاجتهاد حقه، ومنع غيره من اتباعه في خطئه. ثم يطبق هذا الأصل على ما نُقل عن الإمام يحيى من جواز بناء القباب على القبور، فيقابله بما يجمعه من الأحاديث الواردة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، ولعن من فعل ذلك، والأمر بتسوية القبر المشرف، والنهي عن تجصيص القبور والبناء عليها. ولا يجعل الشوكاني المنع متعلقًا بهيئة البناء وحدها، بل يربطه بما يراه من أثره في تعظيم المقبور حتى يُدعى ويُستغاث به ويُنذر له ويُطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، ويستحضر في هذا السياق ما ورد في بداية الغلو في الصالحين عند قوم نوح، ثم يصف كيف تسهم القباب والستور والسُّرج والحكايات المتداولة عن الكرامات في ترسيخ الاعتقاد في أصحاب القبور. ويرد كذلك الاستدلال بشيوع هذه الأبنية أو بسكوت المسلمين عنها، مبينًا أن السكوت لا يثبت الإقرار، وأن نصوص النهي ظلت مروية في كتب الحديث والفقه والتفسير، ثم ينتهي إلى أن ما نُقل من جواز بناء القباب خطأ اجتهادي لا يُتابع صاحبه عليه. وهكذا يلتقي الكتابان في إنكار الغلو في القبور وما يفضي إليه، غير أن الصنعاني يجعل محور كتابه توحيد العبادة وما يناقضه من صور التعلق بغير الله تعالى، بينما يخصص الشوكاني رسالته لرفع القبور والبناء عليها، مستدلًا بالنصوص ومناقشًا ما استند إليه من أجاز ذلك.