يبحث أبو علي الفارسي في «المسائل العسكريات في النحو العربي» طائفةً من أصول النحو ودقائقه، مبتدئًا بأقسام الكلم وخصائص الاسم والفعل والحرف؛ فيمتحن الحدود التي وضعها النحويون لكل قسم، ويوازن بين تعريف سيبويه وتعريفات أصحابه، ويتتبع العلامات التي يتميز بها الاسم، ودلالة الفعل على الحدث والزمان، وطبيعة الحرف ودلالته على معنى في غيره. ويتصل بذلك بحثه في أصل الاشتقاق، فيحتج لكون الفعل مأخوذًا من المصدر بما يراه من تقدّم المعنى المفرد على المركب وعموم المصدر وخصوص الصيغ الفعلية. ثم يبحث ائتلاف أقسام الكلم في الجمل، فيحلل بناء الجملة الاسمية والفعلية، وتعلّق الظرف والجار والمجرور، والنداء، وأسماء الأفعال، والشرط والقسم، وما يقع فيه لفظ الخبر موقع الأمر أو لفظ الأمر موقع الخبر، كاشفًا ما بين اختلاف الصور النحوية وائتلافها في أداء المعاني.
ويجعل أبو علي العلاقة بين القياس والاستعمال ميزانًا في تحليل الظواهر، فيقسم الشاذ إلى ثلاثة أضرب: ما اطّرد في القياس وشذ في الاستعمال، وما اطّرد في الاستعمال وشذ عن القياس، وما شذ عنهما جميعًا. ثم يُخضع لهذا التقسيم طائفة واسعة من الألفاظ والتراكيب والضرورات الشعرية؛ فيبحث «ودع» و«يذر»، و«أرأيتك»، و«استحوذ»، وأبنية الأعلام، وإبدال الحروف وحذفها، والترخيم في غير موضعه، والفصل والعطف، وغيرها. وتظهر هنا دقة موازنته بين ما تسمح به القاعدة وما ثبت في كلام العرب؛ فقد يكون الوجه جائزًا في القياس ثم يرده لأن الاستعمال جرى بخلافه، وقد يثبت صورة خارجة عن القياس لأن السماع حفظها، مع إبقائها في حد الشذوذ وعدم إلحاقها بالمطّرد. ويستند في ذلك إلى القرآن الكريم وقراءاته والشعر العربي، ويَعرض أقوال سيبويه والخليل والمبرد والأخفش وغيرهم، فيناقش حججهم ويختار ما يراه أوفق بأصول العربية.
ويُفصِّل في القسم الأخير أحكام الإعراب والبناء، فيعرّفهما ويرد اختلاف أواخر الكلم إلى اختلاف العوامل، ثم يميز المعرب من المبني، والمنصرف من غير المنصرف، ويشرح علل منع الصرف وأسبابها، ويُبيّن أن الفتحة في جر غير المنصرف علامة إعراب لا حركة بناء. ويبحث إعراب الفعل المضارع ووجه مشابهته للاسم، وسبب اختصاصه بالرفع والنصب والجزم دون الجر، ثم يتوسع في الإعراب المقدّر في المقصور والمنقوص والأفعال المعتلة، وفي العلامات التي تقوم فيها الحروف أو الحذف مقام الحركات، وحذف النون وما يتصل به من تعليل صوتي وصرفي. ويرد أبو علي هذه الظواهر إلى عللها ونظائرها، رابطًا الإعراب بالعامل، والبناء بمشابهة الحرف، والإعلال بطبيعة أصوات الكلمة ومواقعها. وبذلك تتدرج «العسكريات» من أقسام الكلم وائتلاف الجمل إلى الشاذ وحدود القياس والسماع، ثم إلى دقائق الإعراب والبناء والتصريف، في معالجة يغلب عليها التحليل والتعليل ومناقشة وجوه العربية على ضوء الاستعمال والقياس.